عبدالسلام العقاب يكتب: ذكرى المولد النبوي الشريف

أظلّتنا هذه الأيام في شهر كريم، شهر ربيع الأول، الشهر الذي ارتبط بمولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
إنها أيام تتنزل فيها النفحات الإيمانية، ولعلها من الأيام التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبداً».
والحديث عن المولد النبوي يطول، وقد تباينت أقوال أهل العلم في تحديد تاريخ ميلاده الشريف، كما اختلفوا في مشروعية الاحتفال بهذه المناسبة، ولسنا هنا بصدد ترجيح قول على آخر، وإنما لنقف عند هذه الذكرى العطرة، لنستنشق عبيرها ونتنسّم أريجها، ونستحضر الدروس والعبر من السيرة النبوية الشريفة، ولنتأسَّ بسيرته في جميع شؤون حياتنا الدنيا، والتزود بتقوى الله، خير الزاد إلى الدار الآخرة.
لقد بدأت مظاهر الاحتفاء بالمولد الشريف في كثير من المدن مبكراً، إذ نُصبت السرادق في الميادين العامة، وازدانت الساحات بالأعلام والأنوار والزينة، تعبيراً عن الفرح بهذه المناسبة المباركة، وأكثر ما يميز احتفالات المدن تلك الزفّة التي تعارف عليها الناس.
أما في القرى، ففي بعض المساجد والخلاوي تُقام مجالس الذكر والدروس منذ مطلع شهر ربيع الأول، حيث يحتشد المصلون في حلقات العلم والموعظة، ويتناول الأئمة والدعاة، بأسلوبهم السلس والممتع، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ مولده ونشأته، وتعبده في غار حراء، وبداية الوحي، والدعوة سراً ثم جهراً، وما لقيه صلى الله عليه وسلم من أذى قريش وأهل الطائف.
ومن ذلك قصة عداس، ورحمته صلى الله عليه وسلم حين خيّره ملك الجبال في إهلاك أهل مكة بأن يطبق عليهم الأخشبين، فقال الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم قولته الرحيمة: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ويقيم بهم أمر الدين».
ثم تمتد المجالس للحديث عما لاقاه من أذى من أهل مكة، وتتوالى الأحداث حتى يأتيه الأمر بالهجرة المباركة إلى المدينة، وما وقع في تلك الهجرة من مواقف خالدة، ومنها قصة أم معبد ووصفها الدقيق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصف أصبح من أشهر ما رُوي في شمائله الكريمة.
لقد ألهمت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الشعراء والمداحين عبر العصور، وكيف لا، وقد مدحه رب العزة بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
كما كان حسان بن ثابت رضي الله عنه من أوائل المادحين، وهو من قال:
وأجملُ منك لم ترَ قطُّ عيني
وأكملُ منك لم تلدِ النساءُ
خُلقتَ مبرأً من كل عيبٍ
كأنك قد خُلقتَ كما تشاءُ
ومن الرعيل الأول من الرواة الذين أنشدوا سيرته: البوصيري، والزمخشري، وبرعي اليمن، كما صدح أمير الشعراء أحمد شوقي بأبيات صارت أيقونة في المديح:
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ
وفي السودان ازدهر فن المديح النبوي، وتعاقب عليه عدد من الرواة، منهم، على سبيل المثال لا الحصر: حاج الماحي، وود حليب، وأحمد سعد، وأولاد أب كساوي، وأحمد ود حضري، وحياتي، وود تميم، وأبو شريعة، وحاج العاقب، وقدورة، وود عبد الملك، وسعد ود الفضيل، وغيرهم كثر، يضيق المجال بذكرهم، وهم الذين جعلوا من المديح مدرسة تربوية تعرّف الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه العظيمة وصفاته الحميدة.
قال عنه المولى عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
تبقى ليلة المولد… ليلة مجالس العلم والشمائل المحمدية
ليلة المولد من الليالي العامرة بالذكر والوعظ، حيث تتجدد فيها معاني المحبة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن النماذج المشرقة في هذه المجالس ما يقدمه فضيلة مولانا الشيخ محمد محمد الأمين الفقيه المالكي، إمام وخطيب المسجد العتيق بالسديرة الشرقية، الذي عُرف بالعلم والورع وحسن البيان، إذ يحدث جموع المصلين عن الشمائل المحمدية، ويبين لهم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وأطهرهم سريرة، وكيف أنه طهّر عقائد الناس من الشرك، وحرّر عقولهم من ظلمات الجاهلية، وصبر على الأذى والاضطهاد في سبيل هداية البشرية، حتى استحق وصف الله تعالى له بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وكما قال هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة».
وبذلك فافرحوا، فهو خير مما تجمعون.
كان صلى الله عليه وسلم قدوة عملية؛ لا يأمر الناس إلا بما يعمل، ولا ينهاهم عن شيء ثم يأتيه. كان ليّن الجانب، موطأ الأكناف، شديد البأس عند اللقاء، حتى قال سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: «كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم».
أحبه أصحابه حباً ما في الكون مثله. انظروا إلى الصديق، سيدنا أبي بكر الصديق، الذي لازمه منذ البعثة، وله كثير من مشاهد المحبة، حيث صاحبه في الهجرة الشريفة.
ومما يُمتع من أقواله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول الإناء فشرب منه، فقال سيدنا أبو بكر الصديق: «شرب رسول الله فارتويت».
وهذا من الحب اللامتناهي.
وإن شئنا أن نضع الأقلام، فإن السيرة باقية ألقاً وجمالاً، وشحذاً للنفوس للتأسي بسيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم.
ومسك الختام
فإن ذكرى المولد النبوي ليست مجرد مناسبة عابرة، وإنما هي محطة نتزود فيها من معين السيرة العطرة، ونجدد فيها محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعاهد أنفسنا على الاقتداء بأخلاقه وهديه.
ونسأل الله تعالى، ونحن نرفع أكف الضراعة إليه تعالى، أن يجعلنا من أتباع نبيه صلى الله عليه وسلم حقاً، وأن يحشرنا في زمرته، ويوردنا حوضه، ويرزقنا مرافقته في الفردوس الأعلى.
ونسأله تعالى أن يعيد علينا هذه الذكرى المباركة وقد عمّ السلام والأمن والرخاء بلادنا، ضرعاً وزرعاً.
وكل عام وأنتم بألف خير، وأعاد الله هذه المناسبة المباركة على الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.
0914210983
wadalaqab@gmail.com

