حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: البرهان قال ليك شنو؟ وانت قلت ليه شنو؟..

(1)
الأستاذ الراحل محمد البصير كان مذيعاً لامعاً، من جيل الإذاعيين الأوائل… حمدي بدر الدين، وعمر عثمان، وأبو بكر عوض…. يوم أن كانت الإذاعة سيدة العملية الإعلامية دون منازع.
بعد المعاش عمل مصححاً بالصحف… فقابلناه في تلك الفترة. حباه الله بخاصية إجادة الحكي، فكان مجلسه لا يُمل، وحكاويه لا تنتهي. حتى ولو كانت مكررة، فتسمعها كأنك لم تسمعها من قبل… لا بل تطلب منه أن يحكيها لك، وأنت تكاد تكون حافظها… إنها موهبة الأداء.
حكى ذات مرة أنه أثناء عمله في الإذاعة قدم برنامجاً تلفزيونياً يهتم بالأدب الشعبي، ولكن «الخساسة» في التلفزيون أوقفته، على حسب تعبيره.
في ذات مناسبة سياسية أُسند له تقديمها، كان فيها النميري… فبدأ الترحيب قائلاً: «السيد اللواء أركان جعفر محمد نميري».
وهو نازل من المنصة ناداه النميري، فطلب منه أن يدني رأسه، فجذبه من أذنه وهمس فيها قائلاً له: «إنت ما شايف الدبابير ديل؟ ديل دبابير لواء؟ إنتو جابوكم من وين؟».
قال: «والله وكت فكاني، أنا قلت الزول دا شالها في يدو».
عندما سُئل بماذا همس لك النميري، قال: «قال لي: وين برنامجك الرائع داك بتاع صور شعبية؟ كيف التلفزيون يوقف برنامج هادف زي دا؟ ناس التلفزيون ديل جابوهم من وين؟».
اختتم البصير القصة بالقول: «عليك أمان الله، تاني يوم ناس التلفزيون جوني جارين جري، وفرضت عليهم كل الشروط العاوزها».
(2)
عندما نشرت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لي وأنا جالس إلى جانب السيد رئيس مجلس السيادة في فعاليات الملتقى الإعلامي، انفتحت عليَّ عاصفة تواصل مع الآخرين ما كنت أتوقعها… وأصبح ذلك الموقف في مستهل أي مقابلة مع كل أصدقائي ومعارفي وأهلي، وكذا ازدحم بريدي… الناس دي كلها تركت الشأن العام، فكان سؤالها: «أها البرهان قال ليك شنو؟ وإنت قلت ليه شنو؟».
فكنت أستدعي المنهج البصيري، طبعاً، مع تغيير المحتوى من شخص لآخر حسب العلاقة بيننا.
مثلاً قلت لمونتاي، أحد شركائي في الزراعة هذا الموسم، عندما سألني: البرهان قال ليك شنو؟ قال لي: «لو مونتاي عمل أي كاني ماني، كلمني بس».
أما قريبي صاحب الحافلة، قال لي: «قلت للبرهان شنو؟»
قلت ليه: «ناس الحافلات في خط المسيد رفعوا السعر».
فأقسم لي أنها ليست منهم، بل من نقابة الحافلات… قلنا ليهم: «نزلوا المانفستو لخمسين، عشان الراكب يكون بعشرة». قالوا: «لا، سبعين، والراكب بأربعة عشر».
أما تريقات الأصدقاء، ما تديك الدرب… «ما تاكل براك بتخنق»… «أها الظرف بالدولار ولا الريال؟»… «قالوا خيروك بين السفارة والوزارة»… «ما ترضى بغير آخر موديل»… «سعادة آخر العمر».
ابنة أختي الطالبة الجامعية فدوى أدخلت على الصورة مؤثرات صوتية وتنبر، وجعلت من خالها ولا أبو زيد الهلالي.
بعض الجادين يقولون لك: «إن شاء الله حكيت ليه عن حالة مشروع الجزيرة… إن شاء الله عكست ليه نار الأسعار»، وهكذا تتناسل الحكايات… وكأنني انفردت بالبرهان اليوم كله.
هذا ما يسمى بالثغرة التلفزيونية… لقطة عمرها ثوانٍ، فتتمدد في الأثير، يشاهدها عدد كبير من الناس، فيتضخم حجمها، وينظر إليها من مليون زاوية مختلفة.
(3)
أما من ناحية سياسية، فقد نالني ما نال بقية الزملاء الحضور… من أننا «بلابسة»… و«بقايا كيزان»… و«لعقة بوت العسكر»… وكل هذه الأشياء المعتادة في ظل الاستقطاب الحاد واللاعقلانية التي تعبث بحياتنا السياسية.
أحدهم قال لي: «بوظت اعتدالك ووسطيتك التي عُرفت بها»… وبالطبع أخذت حقي الخاص نتيجة تصدّر المشهد.
كنت منتظر واحد أخونا تخصص في شتمي، وأخشى أن يكون الآخرون لم يتركوا له ما يقول… فهو من محبي التفرد، فكان يختلق ما يشتمني به اختلاقاً.
كتبت له مرة وقلت له: «إن كنت تنتظر مني ذكراً أو رداً، فسيطول انتظارك».
الذي خرجت به من كل هذه المعمعة… أننا جميعاً في حالة لا نحسد عليها…..
فأي شكل من أشكال الاقتراب من الحاكم يعتبره البعض غنيمة، والبعض يعتبره سبة… وهذا يكشف انعدام المؤسسية لدينا.
ثانياً، بلدنا في حالة سيولة سياسية… قابلة للتصلب، وفي نفس الوقت قابلة للغزيتة، أي تصبح غازية… ليتنا نتجه جميعاً نحو حالة التصلب.
ثالثاً، الإقصاء والإقصاء المضاد هو السوس الذي ينخر في عظم بلادنا.
رابعاً، ينتظر بلادنا الكثير لكي تنهض من كبوتها الحالية… تداخلت حالة ما بعد الحرب مع حالة استمرار الحرب، فالشغلانة محتاجة لفصل بين الحالتين.
رابعاً وأخيراً… الفعل قد يكون واحداً، ولكن الدوافع قد تكون مختلفة… فبدلاً من «الحشاش يملا شبكته»، فلنعمل سوياً فيما اتفقنا عليه، ونؤجل ما لم نتفق عليه… فنتيجة ما اتفقنا عليه سوف تلقي بظلالها فيما اختلفنا حوله… سوف تحاصره إلى أن تقضي عليه.
وأنا ما بفسر، وإنت ما تقصر…

