دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (6)

من يمثل السودان؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أحد أكثر أسئلة الحوار الوطني تعقيداً وخطورة. فالقضية ليست مجرد اختيار أسماء أو توزيع مقاعد، بل تتعلق بالسؤال الأعمق: هل يمكن اختزال السودان في الأحزاب والتنظيمات والكيانات المعروفة؟ السودان أكبر من بيوتات وقبائل وأحزاب، وأوسع من أي قائمة معدّة سلفاً. فالواقع يكشف عن عشرات الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني معظمها محدود الفاعلية. بالمقابل تتزايد الحركات المسلحة وتتسع سطوة الإدارات الأهلية، وسط تراجع مؤسف لدور الشخصيات القومية. وبين كل ذلك، يظل قطاع عريض من السودانيين خارج هذه الأطر، وكأنهم غير مرئيين. وهؤلاء ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، ولا يحق لأحد أن يختار مستقبلهم نيابةً عنهم.
الحوار الحقيقي لا يجعل التنظيم السياسي شرطاً للمواطنة، ولا يحوّل الانتماء إلى بطاقة عبور للوطن. هنا تبرز أهمية المهنيين والمستقلين والشباب والمرأة والسودانيين في الخارج؛ فهؤلاء ليسوا مجرد ديكور لتجميل صورة الحوار، بل هم جزء أصيل من المجتمع وصوت لا يجوز مصادرته. لكن المشاركة الواسعة لا تعني الفوضى، كما أن التمثيل لا يعني السماح لأي جهة بأن تتكاثر في عشرات الواجهات والمنصات لتصنع أغلبية وهمية من مصدر واحد. فالأرقام قد تخدع، وكثرة الأسماء لا تعني بالضرورة تعدد الأصوات.
لذلك يحتاج الحوار إلى معايير صارمة وواضحة للتحقق من التمثيل والاستقلالية، وإلى وسائل حديثة توسّع المشاركة وتكشف الكفاءات، دون أن تتحول التقنية إلى بديل عن التحقق الحقيقي. فالمطلوب ليس أن يجتمع الجميع في قاعة واحدة، بل أن يجد كل سوداني طريقاً عادلاً إلى المشاركة. فالوطن لا تملكه الكيانات الأكثر تنظيماً وحدها، وإنما يملكه جميع السودانيين. والحوار الذي لا يسمع صوت الأغلبية الصامتة، سيبقى ــ مهما اتسعت قاعته ــ حواراً ناقصاً، وربما فاقداً لأهم أسباب شرعيته.
الخرطوم 16 سبتمبر 2026

