محمد عثمان الرضي يكتب: الحوار السوداني.. متى نتحرر من عقدة الوافد؟

جرت العادة في السودان أن نختلف داخل بلادنا، ثم نسافر إلى الخارج لنتفق على كيفية العودة إليها. ومع تكرار هذه التجربة، ترسخت لدى قطاعات من النخب قناعة بأن الحوار خارج السودان أكثر جدية، وأن الاتفاق لا يكتسب وزنه إلا إذا احتضنته عاصمة أجنبية ورعته جهة دولية.
هكذا تحولت «الضمانة الأجنبية» من وسيلة مساعدة إلى عقدة سياسية؛ فإذا جلس السودانيون إلى بعضهم في الداخل سألوا عن الضمانات، وإذا جلسوا في الخارج اطمأنوا إلى وجود الوسيط. وكأن الاتفاق السوداني يحتاج إلى شاهد أجنبي حتى يصبح قابلاً للحياة.
لا أحد ينكر أهمية الوساطة الإقليمية والدولية عندما تكون ضرورية، لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الوسيط من دور المساعد إلى دور الشريك في صناعة القرار. عندها لا يعود الخارج مسهلاً للحل، بل يصبح جزءاً من تعريفه، بينما يتراجع أصحاب القضية إلى الصفوف الخلفية.
هذه «عقدة الوافد والأجنبي» لم تكن بلا ثمن؛ فقد فتحت أبواب القرار السوداني أمام حسابات إقليمية ودولية، وجعلت قضايا الداخل مرتبطة أحياناً بمصالح أطراف لا تتطابق بالضرورة مع المصالح السودانية.
ومع ذلك، فإن مسؤولية الداخل لا تقل عن مسؤولية الخارج؛ فأزمة الثقة بين النخب هي التي صنعت هذه المساحة. ومشكلتنا أن النخب السودانية كثيراً ما نجحت في الاتفاق على أنها لا تستطيع الاتفاق، فأصبح كل طرف يريد ضماناً على الآخر قبل أن يمنحه الثقة.
لذلك فإن مشروع تهيئة الحوار السوداني السوداني يمثل اختباراً حقيقياً: هل يستطيع السودانيون إدارة خلافاتهم داخل بلدهم، أم سيظلون بحاجة إلى عاصمة أخرى كي يمنحوا حوارهم شهادة الجدية؟
ويبدو أن بعض القائمين على اللجنة يحتفون بقدرتهم على تغيير المعادلة، مستندين إلى أن الاتحاد الأفريقي والآلية الخماسية جاءا مهنئين ومباركين لقيام الجسم. غير أن الترحيب الخارجي، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر شرعية أو ضمان سياسي.
فالسياسة لا تعرف المواقف الأبدية؛ ما يُبارك اليوم قد يُراجع غداً إذا تغيرت المصالح والظروف. ولذلك فإن التعويل على موقف خارجي متغير لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء توافق سوداني قادر على حماية نفسه.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجنة: المباركة ليست ضمانة، والزيارة ليست تفويضاً، والتأييد لا يعني امتلاك القرار. فالجهات الخارجية قد تساعد في المسار، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السودانية.
والمفارقة الأكثر وضوحاً أن يصبح مشروع هدفه تحرير الحوار من الرعاية الأجنبية محتاجاً إلى مباركة الخارج لإثبات نجاحه. فإذا كنا ننتظر من الآخر أن يؤكد لنا أن حوارنا سوداني، فنحن لم نغادر عقدة الوافد بعد.
المطلوب ليس إقصاء الخارج، وإنما إعادة تعريف دوره: مسانداً لا وصياً، ومسهلاً لا مقرراً، وشاهداً على الاتفاق لا صانعاً له. أما صناعة السلام وتحمل تبعاته، فمسؤولية السودانيين وحدهم.
ومن ثم، فإن المهمة الحقيقية للجنة ليست تنظيم الطاولة بقدر ما هي إعادة بناء الثقة حولها. فليس المهم أن يجلس الخصوم في مكان واحد، بل أن يؤمنوا بأن خلافاتهم يمكن أن تُدار دون وسيط دائم، وأن الاتفاق الذي يصنعونه قادرون على حمايته وتنفيذه.
الحوار السوداني الحقيقي يبدأ يوم يجلس السوداني أمام خصمه السوداني دون أن يبحث أولاً عن أجنبي بينهما. والسلام الحقيقي يبدأ عندما يتحمل الموقعون مسؤولية اتفاقاتهم، بدلاً من تحويل كل اتفاق إلى مشروع ضمانات خارجية.
لقد آن للسودان أن يتوقف عن تصدير خلافاته واستيراد حلولها. فالخارج يستطيع أن يساعدنا في الوصول إلى السلام، لكنه لا يستطيع أن يبني الثقة بيننا، ولا أن يمنحنا الإرادة التي فقدناها في إدارة خلافاتنا بأنفسنا.
الخاتمة: إذا أرادت لجنة تهيئة الحوار أن تقلب الطاولة فعلاً، فعليها أن تبدأ بقلب الطاولة داخل العقل السياسي السوداني: إسقاط وهم أن ما يأتي من الخارج أكثر قيمة مما نصنعه في الداخل. فالسودان الذي يحتاج إلى أجنبي ليجمع أبناءه حول طاولة، لم يستعد قراره بعد؛ والسودانيون الذين ينتظرون من الآخر أن يضمن اتفاقهم، لم يتعلموا بعد أن السلام مسؤولية من يصنعونه، لا من يباركونه.

