حاطب ليل.. د. عبد اللطيف البوني يكتب: جامعة الجزيرة من الداخل U of G from Within

(1)
كان المنتدى يوم الأربعاء 28 أكتوبر، وبهذا أصبح علينا أن نتحرك مساء الثلاثاء لنبيت في مدني.
أزمة الجازولين وكثرة صفافير الطريق باعدت بين المسافات، فمدني من قبل ما كانت تستدعي مننا نحن أهل شمال الجزيرة أي مبيت؛ فقط شوية قومة بدريّة، وإن كنت من أصحاب العربات الخاصة، كما كنا ذات يوم، يمكن أن تقوم قومة عادية وتصل مدني باكرية.
اقترح علينا دكتور ياسر هلالي، وكيل جامعة الجزيرة، أن نتحرك يوم الثلاثاء باكراً لكي نزور الجامعة ونتعرف على أحوالها، فرحبنا بالفكرة.
من حافلة لحافلة، وهاك يا توقف متكرر وغير مبرر!.
ومن الطرائف في الحصاحيصا، طلب أحدهم من بروف فيصل إبراز هويته، فسألته: من أنت؟ فأجاب بأنه من الخلية الأمنية.
فقلت له: يا أخي، ما معقول! يا أخي، أنت ما شايف الكرفتة دي كلها؟
فقال لي: يا عمك، الكنتة في الكرفتة ذاتها!.
فيصل أخذته الدهشة وأخذ يبرطم: جامعة الخرطوم.. مسيد ود عيسى.. بروف بيطرة.. قال كرفتة قال!
فيما بعد، علمت من فيصل أنه مثلي لا يربط الكرفتة إلا بعد الاستعانة بصديق، فقلت له: بركة العملت ليك اشتباه! يا أخي أنا هيأت نفسي لدروس خصوصية منك اليوم.
(2)
أمضينا بقية يوم الثلاثاء كله متجولين في مجمع النشيشيبة، وهو أكبر مجمعات جامعة الجزيرة، حيث مكاتب الإدارة، وأربع كليات كبيرة، والدراسات العليا، وعمادة الطلاب، والشؤون العلمية، وعدة إدارات، بالإضافة إلى مزرعة الجامعة، ويا لها من مزرعة!.
أول شيء استرعى انتباهنا هو أننا لم نلحظ أثراً يُشار إليه من آثار الحرب، كما هو الحال في الخرطوم، فأنت هنا لا ترى غير الخضرة والماء والوجوه الحسنة.
يا جماعة، أنتم كنتوا معفيين من الحرب دي؟ نحن ما زالت ليلة 18 ديسمبر 2023، ليلة سقوط مدني، تدمي قلوبنا!.
فقيل لنا: على مهلكم.. إن جامعة الجزيرة تعرضت لتخريب ونهب منظمين فوق كل تصور، حتى الكراسي الانتو جالسين فيها الآن لم تكن موجودة.
الخسارة قُدرت بـ168 مليون دولار، ويكفي أن عدد العربات التي نُهبت بلغ 173 عربة، بينها بصات التراحيل الكبيرة.
طيب يا جماعة الخير، الآن كيف تم التعافي وعودة الأمور إلى نصابها بهذه السرعة؟.
كان الرد: بالعزيمة والإصرار، والاعتماد على الموارد الذاتية، مع قليل من الدعم من خارج الجامعة.
فالآن نسبة التسيير كادت أن تصل إلى مائة في المائة.
ولكن ما لم يقولوه لنا، وأحسسناه لأننا مثلهم (باقي كتلة)، إذ عشنا ذات التجربة، هو أن ما (قطعوه في مصارينهم) أكبر بكثير من الذي عالجوه.
فالناس في هذه الجامعة داست على أحزانها، و«لتقت» جراحها، وضحت بكل كمالياتها، وبعض ضرورياتها، من أجل استمرار المسيرة الأكاديمية في الجامعة، فكان لهم ما أرادوا.
(3)
من مكتب لمكتب، بدءاً بمكتب السيد مدير الجامعة، البروف صلاح الدين عربي، ومن معمل لقاعة، ومن وقفة لقعدة، ومن سلم لسلم، طفنا على الكثير من منشآت الجامعة، واختتمناها بكلية التربية في حنتوب، حيث عبق التاريخ وتحول الفصول إلى قاعات.
لم نشعر برهق الجولة بسبب الترحاب الحار الذي قوبلنا به حيثما حللنا، وبسبب فيض المعلومات الذي تلقيناه من السادة مضيفينا ومرافقينا الأكارم.
والذي يمكن قوله كخلاصة لهذه الجولة هو أن جامعة الجزيرة لم تتعافَ فحسب، بل هي قادمة وبقوة.. فأمسكوا!.
(4)
أما مدني بالليل، فهي تذكرك بليل الخرطوم الزماااان.
رغم أن المدينتين قد سقطتا تحت قبضة الدعم السريع، إلا أن الخرطوم قد حدث لها تحطيم وتخريب ونهب ممنهج، ولكن مدني تعرضت لنهب أكثر من التخريب.
الفرق الأكبر بين المدينتين أصبح الآن في الخضرة؛ فالغطاء الشجري في مدني، ما شاء الله عليه، ظل كما هو، بل ازداد خضرة لدرجة الميل إلى الدكنة، أما الخرطوم فقد أصبحت مدينة (مكشرة) تحتاج لقرن كامل لتعود خضراء كما كانت.
الرأسمال (الأموال) الناجية، والتي كانت في الخرطوم، أول ما خرجت اتجهت نحو مدني، وبسقوط مدني هربت إلى نهر النيل، ليكون لعطبرة نصيب الأسد منها.
ولكن إذا أرادت مدني أن تكون عاصمة السودان الاقتصادية، فهي مؤهلة لذلك. فكل المطلوب هو أن تحلم حكومة ولاية الجزيرة بهذا الحلم.
ليت تلك الحكومة تأخذ درساً خصوصياً من جامعة الجزيرة؛ درساً في المنهج، ودرساً في كيف تكون الروح التي تريد التعافي، لكي تتعلم كيف ينفض طائر الفنيق جناحيه من رماد النار ليطير بمعدل أسرع وبارتفاع أعلى.
وغداً إن شاء الله نتوقف عند المنتدى الذي تشرفنا بحضوره والمشاركة فيه.
أما العنوان، فقد كانت هناك سلسلة كتيبات دورية باسم Gazira from Within تصدرها الشركة الإنجليزية التي كانت تدير المشروع، فاستملحته أكثر من (داخل جامعة الجزيرة).

