حاطب ليل.. د. عبد اللطيف البوني يكتب: في الطريق إلى جامعة الجزيرة

(1)
دخلت على أستاذنا البروفيسور محمد عمر بشير، وقلت له إنني ذاهب إلى بركات، حيث دار وثائق مشروع الجزيرة، لتمضية عدة أسابيع هناك. فسألني: أين سأقيم؟ فقلت له إنني أحمل خطاباً من الجامعة ليسمحوا لي بالإقامة في استراحة بركات.
فقال: لكي يكون عندك خيار تاني، خلي جمال دا يكتب رسالة لمحمد العبيد المبارك عشان تقعد في جامعة الجزيرة، عشان دي فرصة تشوفها كيف.
والإشارة هنا إلى الأستاذ الأديب الكبير ووزير الخارجية السابق، جمال محمد أحمد، والذي هو الآخر من أساتذتنا في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية.
فكتب رسالة لبروف المبارك، أول مدير لجامعة الجزيرة. كانت الرسالة تحفة من أدب الإخوانيات، توضح مدى الصداقة بين الأساتذة الثلاثة، ووصفني فيها بأنني طالب أثير لدى M O B، والإشارة هنا للبروف محمد عمر بشير.
وعندما دخلت على بروف المبارك، ولدهشتي وجدت فيه ذات الشعر الأبيض المموج الطويل لدى جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير، الأمر الذي جعلني أتخيل أن البروفيسور سعد الدين فوزي يشبههم.
هذا الجيل العملاق له مدرسة متميزة في تطور الفكر والأكاديميا السودانية الحديثة. كانوا منفتحين نحو الثقافة الغربية دون ازدراء أو احتقار للثقافة السودانية. هذه المدرسة لم تجد حظها من الدراسة.
لقد أكرم بروف المبارك وفادتي، وأعطاني غرفة في الجامعة جعلتني أتجاوز استراحة بركات، التي كانت ولا فندق السودان يومها.
فأمضيت هناك أياماً لا تُنسى مع طلاب جامعة الجزيرة، والتي كانت أول دفعة فيها في السنة النهائية.
وهذه فرصة أذكر فيها بالخير الإداري الحاذق الحاج مكي، زوج زميلتنا ودفعتنا الأستاذة نور عبد الرحيم محمود (بت الحاكم)، والذي كلفه بروف المبارك بأمري…
(2)
أما المرة الثانية لزيارة جامعة الجزيرة، فكانت قبل حوالي ربع قرن من الزمان، عندما دعاني البروفيسور عبد الرحمن بريمة لتقديم محاضرة كانت عن التدامج القومي في السودان… منظور تاريخاني.
حاولت فيها أن أثبت أن الصيرورة التاريخية سوف تفضي بنا إلى أمة سودانية… من حيث الملامح والقصمات ستكون سمراء من نوع (الخدرة الدقاقة)، وأخذت الفنان زيدان إبراهيم نموذجاً لها.
من حيث الدين ستكون مسلمة بطريقتها وليست إسلامية، ومن حيث اللغة ستكون عربية. فمكون الهوية الوحيد الذي حسم أمره هو اللغة، أما بقية عناصر الهوية من عنصر وشكل التدين فما زالت تحت التكوين.
تقسم السودان أم بقي دولة واحدة، سوف تستمر عناصر الهوية في التشكل. هكذا كانت نظرتي يومها في أمر الهوية.
(دا كله من مباراة الصحافة والإعلام والقماري وشراب موية المطر).
(3)
أما المرة الثالثة لزيارة جامعة الجزيرة، فقد كانت الأسبوع الماضي، بدعوة كريمة من إدارتها الحالية للاشتراك في المنتدى الدوري الخامس.
إذ درجت الجامعة على تنظيم جلسة علمية/عملية لمناقشة القضايا الحيوية، تجمع فيها الأكاديميين مع أصحاب المصلحة، ومتخذي القرار، وأهل المشورة، للخروج ليس بتوصيات عامة فحسب، بل بخارطة عمل قابلة للتنفيذ ما أمكن ذلك.
وكان المنتدى الخامس مكرساً لقضايا الثروة الحيوانية، حيث إن إسهامها في الناتج القومي الإجمالي لا يتناسب أبداً مع حجمها.
في صبيحة يوم الثلاثاء يممت شطر أرض المحنة وقلب الجزيرة (مدني يا أجمل خبر).
وهذه المرة، وعلى غير العادة، كنت حريصاً على حمل الكرفتة، لأنني في صحبة بلدياتي وصديقي البروفيسور فيصل عمر الزبير، الأستاذ بكلية البيطرة بجامعة الخرطوم.
ففيصل لا يلبس البنطال إلا وهو مخنوقاً بالكرفتة، حتى ولو كان متجولاً في سوق المسيد. فقلت: هذه فرصة لكي أتعلم منه ربطها… ولكن…
وبعد، عزيزي القارئ، هذه بمثابة (رمية) لسلسلة من المقالات حول هذا الموضوع الحيوي الهام، وهذه الجامعة الفتية… فدعواتكم بالتوفيق في التناول…

