حين تتحول الرسوم إلى عائق… حكاية الركشات في الخرطوم بين البحث عن الرزق وتعقيدات الترخيص

الخرطوم: مسار برس
في شوارع ولاية الخرطوم، حيث بدأت ملامح الحياة تعود تدريجياً بعد سنوات الحرب، تبدو الركشات جزءاً أصيلاً من المشهد اليومي. فهي لا تنقل الركاب فحسب، بل تحمل على متنها أحلام آلاف الأسر التي تعتمد عليها كمصدر رئيس للرزق.
غير أن خلف هذا المشهد تكمن أزمة صامتة باتت تؤرق أصحاب الركشات وأصحاب المعارض والمحلات المرتبطة بهذا النشاط، عنوانها الأبرز: رسوم الترخيص.
وخلال جولة ميدانية، تكررت الشكوى نفسها من أكثر من صاحب ركشة. لم يكن الحديث عن ضعف الحركة أو قلة الزبائن، وإنما عن الرسوم التي أصبحت ـ بحسب وصفهم ـ تفوق قدرتهم على السداد. ويؤكد كثيرون أن تكلفة الترخيص باتت تمثل عبئاً مالياً ثقيلاً، دفع عدداً كبيراً منهم إلى تأجيل الترخيص أو العزوف عنه تماماً، ليس رفضاً للقانون، وإنما لعجزهم عن توفير المبالغ المطلوبة.
ويقول أصحاب الركشات إنهم يدركون أهمية الترخيص وما يوفره من تنظيم للعمل وحماية قانونية، إلا أن الظروف الاقتصادية الراهنة جعلت الأولويات تتجه نحو توفير احتياجات الأسرة اليومية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخول. ولذلك أصبحت رسوم الترخيص بالنسبة لهم معضلة حقيقية تتجدد مع كل موسم.
ولم تتوقف تداعيات هذه القضية عند أصحاب الركشات وحدهم، بل امتدت إلى أصحاب المعارض والمحلات فقد شهدت هذه الأنشطة حالة من الركود نتيجة تراجع الإقبال على شراء الركشات الجديدة، بينما فضل كثيرون الاحتفاظ بمركباتهم القديمة أو تأجيل الاستثمار في هذا القطاع إلى حين تحسن الأوضاع.
ويشير العاملون في هذا المجال إلى أن انخفاض معدلات الترخيص انعكس بصورة مباشرة على حركة السوق، وأصبح الجميع يتطلع إلى حلول تعيد النشاط لهذا القطاع الحيوي، الذي يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف المواطنين.
ولا يختلف اثنان على أن تنظيم المركبات وترخيصها يمثلان ضرورة لضبط العمل المروري وتعزيز السلامة العامة، كما أن الرسوم تعد مورداً مهماً للدولة يساعدها في تطوير الخدمات. لكن في المقابل، فإن نجاح أي سياسة يرتبط بمدى توافقها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين، خاصة في مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من المرونة والدعم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة رسوم ترخيص الركشات بصورة تحقق التوازن بين حق الدولة في تحصيل الرسوم، وحق المواطن في ممارسة عمله دون أعباء تفوق طاقته. فالمعادلة الناجحة هي التي تضمن استمرار النشاط الاقتصادي، وتشجع أصحاب الركشات على توفيق أوضاعهم القانونية، بدلاً من دفعهم إلى العزوف عن الترخيص.
وقد يكون من المناسب أن تدرس الجهات المختصة خيارات متعددة، مثل تخفيض الرسوم بصورة مؤقتة، أو تقسيطها، أو وضع شرائح تراعي طبيعة الدخل، بما يسهم في زيادة الإقبال على الترخيص ويحقق في الوقت نفسه عائداً أفضل للدولة من خلال اتساع قاعدة الملتزمين.
فالخبرات الاقتصادية تؤكد أن الرسوم المعتدلة تحقق في كثير من الأحيان إيرادات أكبر من الرسوم المرتفعة التي يعجز المواطنون عن سدادها. وعندما تصبح تكلفة الترخيص في متناول الجميع، فإن الالتزام بالقانون يتحول إلى خيار طبيعي، لا إلى عبء يصعب تحمله.
إن إعادة إعمار الخرطوم لا يقتصر على تشييد المباني وإعادة تأهيل الطرق والجسور، بل تمتد إلى دعم الأنشطة الاقتصادية الصغيرة التي يعتمد عليها المواطنون في كسب لقمة العيش. والركشة واحدة من أهم هذه الأنشطة، إذ أصبحت وسيلة نقل وخدمة عامة، وفي الوقت نفسه مشروعاً يوفر الدخل لآلاف الأسر.
لذلك فإن معالجة قضية رسوم الترخيص تستحق أن تحظى باهتمام خاص، وأن تُدرس من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى حلول تحقق مصلحة الجميع. فالدولة تكسب عندما يلتزم المواطن بالقانون، والمواطن يربح عندما يجد نظاماً يراعي ظروفه ويمكنه من العمل والإنتاج.
وفي النهاية، فإن نجاح مرحلة التعافي التي تعيشها ولاية الخرطوم لن يقاس فقط بما يُنجز من مشروعات عمرانية، وإنما أيضاً بقدرة السياسات العامة على تخفيف الأعباء عن المواطنين، وتحفيزهم على العمل، وخلق بيئة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في إعادة بناء العاصمة وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

