خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: استراتيجيات حوكمة التعليم العالي في دول اللجوء ومناطق النزاعات: رؤية للتحول النوعي وضبط الجودة الأكاديمية

أولاً: ربط الواقع بالبدائل العملية
في ضوء التقييم النقدي لواقع مراكز التعليم العالي في دول اللجوء، وما أفرزته من فجوات في الجودة الأكاديمية وضغوط على سمعة الشهادة الجامعية السودانية، يصبح الانتقال من مرحلة “التشخيص” إلى مرحلة “صناعة الحلول” ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل. إن تجاوز هذه الأزمة الاستثنائية يتطلب تبني نماذج مرنة وغير تقليدية قادرة على التوفيق بين الظروف المعقدة للطلاب في مناطق النزاعات والحروب مثل السودان، وأوكرانيا، وبعض الدول الإفريقية الأخرى التي تعاني من النزاعات وبين المعايير الأكاديمية الصارمة التي تضمن رصانة الخريج وجاهزيته لسوق العمل.
ثانياً: النموذج النيجيري: تجربة رائدة للتكيف
من أبرز النماذج الإقليمية التي يمكن الاستلهام منها وتكييفها مع السياق السوداني الحالي، هي التجربة الرائدة التي قادتها هيئة الجامعات النيجيرية (NUC) بالتعاون مع المجلس الطبي النيجيري؛ حيث صممت هذه الجهات برنامجاً أكاديمياً وهيكلياً متكاملاً استهدف خصيصاً الطلاب الذين اضطرتهم الظروف للدراسة في دول ومناطق النزاعات والحروب.
وقد ارتكز هذا البرنامج على ركيزتين أساسيتين:
1. الجانب المعرفي النظري: الذي يتم التركيز فيه على سد الفجوات الأكاديمية وضمان استيعاب المناهج الأساسية.
2. الجانب العملي والسريري (الإكلينيكي): الذي يُنفذ بالكامل داخل مستشفيات جامعية مؤهلة ومعتمدة، وتحت إشراف مباشر من أساتذة واستشاريين متخصصين، بواقع ستة أسابيع (شهر ونصف) لكل تخصص أو مادة رئيسية.
ولم يقتصر هذا النموذج الحاكمي على القطاع الطبي فحسب، بل جرى تطبيقه وتعميمه بنجاح على كافة التخصصات والبرامج الأخرى مثل الهندسة والعلوم الإنسانية. والجدير بالذكر أن التجربة النيجيرية لم تكتفِ بالجانب التأهيلي فقط، بل عززت ذلك بـاعتماد امتحان وطني شامل لضبط جودة المخرجات التعليمية، والتأكد من استيفاء الطلاب لكافة المعايير المهنية والأكاديمية المطلوبة قبل الانخراط في سوق العمل.
دروس مستفادة وتحذيرات من التجربة النيجيرية
تشير المصادر إلى أن واقع الاعتماد الأكاديمي في نيجيريا أكثر تعقيدًا مما قد يوحي به الطرح الأولي، مما يستدعي الحذر عند استلهام التجربة:
• صراع تنظيمي قائم: تواجه نيجيريا صراعًا حادًا حول صلاحيات الاعتماد بين الهيئة الوطنية للجامعات (NUC) ومجالس المهن المختلفة، مثل المجلس الطبي وطب الأسنان النيجيري (MDCN). وقد وُصِف هذا النظام بأنه “فوضوي واستغلالي”.
• أزمة طلابية فعلية: هذا الصراع له تبعات واقعية، حيث تُرك أكثر من 300 طالب أسنان نيجيري بدون تراخيص مهنية بسبب خلاف تنظيمي بين NUC وMDCN. كما أن 47 طالبًا طبيًا نيجيريًا أجلوا من السودان بسبب الحرب يواجهون حالة من عدم اليقين المهني.
• إصلاحات جارية: تحاول الحكومة النيجيرية حاليًا إصلاح هذا النظام، حيث شددت NUC على أن تكون جميع عمليات الاعتماد تحت تنسيقها وبشكل مشترك مع المجالس المهنية.
الخلاصة: التجربة النيجيرية، رغم احتوائها على عناصر ملهمة (كفكرة الامتحان الوطني الموحد)، هي تجربة لا تزال في مرحلة معالجة إشكالياتها الداخلية. استلهامها يتطلب تكييفًا دقيقًا يتجنب تعقيداتها.
ثالثاً: الإطار المقترح: محاور التحول الإستراتيجي
إن هذا النموذج يمثل خارطة طريق عملية يمكن لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية، والجهات التنظيمية ذات الصلة، استصحابها وإعادة هندستها لتتناسب مع واقع الطلاب السودانيين. ولتحقيق التوازن بين ضبط الممارسات الأكاديمية وضمان مواءمة المخرجات مع سوق العمل، نقترح هيكلة منهجية تستند إلى “مبدأ الحوكمة والتحول النوعي” عبر المحاور الإستراتيجية التالية:
المحور الأول: ضبط الممارسات الأكاديمية (إطار الحوكمة)
للانتقال من مفهوم “المراكز المؤقتة” إلى “الكيانات المعتمدة”، يجب تفعيل إجراءات رقابية صارمة تشمل محاور أساسية تنظم العملية التعليمية في الخارج:
1. اعتماد المعايير الوطنية للتعليم عن بُعد والمدمج: يجب خضوع جميع المراكز لبروتوكول “الجودة الموحدة”، حيث تلتزم كافة المؤسسات بمعايير هيئة ضمان الجودة السودانية، مع ربط استمرارية الترخيص بمراجعات دورية للأداء.
2. إنشاء مرصد رقابي للتعليم في الخارج: تفعيل دور “إدارة التعليم العالي بالخارج” لتعمل كجهة رقابية وليس فقط كجهة تنسيقية، بحيث يتم تقييم المناهج، الكوادر، والبيئة التقنية، وإغلاق المراكز التي لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير الأكاديمية.
3. مركزية الشهادات الجامعية: لا تُمنح الشهادة الجامعية إلا بعد اجتياز “امتحان الكفاءة الوطني” أو “الامتحان المهني التخصصي”، مما يضمن أن الطالب خريج جامعة حقيقية وليس مجرد منتسب لمركز تجمعي، وبذلك يتم حماية سمعة الشهادة من التزوير أو التدني النوعي.
المحور الثاني: مواءمة المخرجات مع سوق العمل (التحول النوعي)
لضمان ألا تظل هذه المراكز “خصماً” على سمعة التعليم، يجب إعادة هندسة وظيفتها لخدمة المتطلبات المهنية الحقيقية من خلال آليات مرنة تواكب العصر:
1. التحول نحو “التعليم المهني التخصصي”: بدلاً من الاكتفاء بالبرامج الأكاديمية التقليدية التي تتطلب مختبرات قد تفتقر إليها تلك المراكز، يمكن تحويلها إلى مراكز للتدريب التطبيقي والمهني المرتبط باحتياجات سوق العمل في دول اللجوء (مثل تكنولوجيا المعلومات، الرعاية الصحية، وإدارة المشاريع).
2. اتفاقيات الربط مع قطاع الأعمال: عقد شراكات إستراتيجية مع مؤسسات القطاع الخاص في دول المهجر والشركات العالمية، لتصميم برامج تدريبية قصيرة ومكثفة (Micro-credentials) تمنح الخريجين مهارات قابلة للتوظيف فوراً، بدلاً من التركيز فقط على الجانب النظري.
3. نموذج “الجامعة الشاملة” (The Hub Model): تطوير المراكز لتكون “محطات عبور” (Learning Hubs) توفر مساقات مشتركة مع جامعات دولية مرموقة، مما يرفع من جودة المحتوى التعليمي ويجعل الطالب السوداني في الخارج ضمن دائرة المنافسة العالمية، وليس معزولاً في بيئة تعليمية مغلقة.
رابعاً: السياق السوداني: بين القرارات والتحديات الواقعية
يأتي هذا الطرح في وقت حساس، حيث تواجه الحكومة السودانية أزمة حقيقية مع مراكز التعليم في الخارج. القرارات الأخيرة تعكس حجم التحدي:
• قرار حكومي صارم: أصدرت وزارة التعليم العالي السودانية تحذيرات شديدة للطلاب من الالتحاق بأي مؤسسة تمارس أنشطة أكاديمية خارج البلاد دون تصديق رسمي، مؤكدة أن الشهادات الصادرة عنها “لن تُعتمد أو تُعادل”.
• منظم من الناحية النظرية: هناك “لائحة تنظيمية لإنشاء مراكز وفروع الجامعات خارج السودان لسنة 2023” تشترط الحصول على تصديق مسبق من لجنة مختصة، مما يعني أن الإطار النظري للرقابة موجود.
• فجوة في التنفيذ: يبدو أن العديد من المؤسسات لم تلتزم بهذه اللائحة، مما دفع الوزارة إلى إصدار بيانات توضيحية. وحتى الآن، يبدو أن الفرع المعتمد الوحيد هو “فرع جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في رواندا”.
• مستقبل مجهول للطلاب: هذه القرارات تترك آلاف الطلاب في حالة من القلق، حيث يواجهون مستقبلاً مجهولاً بعد استثمار سنوات وجهد ومال في تعليمهم.
التحدي الجوهري: لا يكمن في وضع القوانين، بل في سد الفجوة بين التنظيم والتنفيذ، وخلق آلية تمكن الطلاب من مواصلة تعليمهم في الخارج مع ضمان جودته، بدلاً من قرارات الإلغاء الشامل التي تهدد مستقبلهم.
خامساً: نماذج دولية ملهمة: بدائل قابلة للتطبيق
بدلاً من التركيز على نموذج واحد (كالنيجيري)، يمكن النظر إلى نماذج دولية ناجحة تتعامل مع ظروف مشابهة، وتقدم حلولاً مبتكرة:
1. نموذج “مراكز التعلّم” (Learning Hubs): هذا النموذج يحوّل المراكز من مجرد فروع إلى “محطات عبور” معرفية.
o معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT ReACT): أنشأ MIT مبادرة ReACT (مركز عمل اللاجئين) لتقديم مسارات تعليمية مجانية وميسرة للاجئين حول العالم. يعتمد النموذج على “مراكز عالمية” (hubs) في عدة دول تقدم برامج مدمجة (بين الحضوري والافتراضي) في مجالات مثل علوم البيانات، وقد نجح البرنامج في توفير فرص تدريب وتوظيف لخريجيه في شركات كبرى.
o مشروع TESI في غزة: واجه طلاب غزة انقطاعًا تامًا عن التعليم بسبب الحرب، فتم إنشاء جسر تعليمي عن بُعد يربطهم بجامعة النجاح الوطنية في الضفة الغربية، مما أتاح لهم إعادة التسجيل في مساقات معتمدة عبر منصة “مودل” مجانًا. هذا النموذج يثبت أن الحلول التقنية يمكنها تجاوز الحواجز الجغرافية.
2. نموذج “الاعتماد المهني والشراكات”: يتماشى مع فكرة “التحول نحو التعليم المهني التخصصي”.
o الشراكات مع القطاع الخاص: عقد اتفاقيات مع شركات عالمية لتصميم برامج تدريبية قصيرة (Micro-credentials) تمنح مهارات قابلة للتوظيف فوراً. هذه البرامج أثبتت فعاليتها في تعزيز فرص العمل، خاصة في الدول النامية، ويمكن أن تكون حلاً فورياً للطلاب في مراكز اللجوء.
سادساً: رؤية استشرافية وخارطة طريق للتحول
إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه “المراكز” من مجرد وحدات إدارية تعاني من ضغوط البقاء، إلى كيانات معرفية ومهنية متطورة ورصينة. إن تطبيق هذه الرؤية الإستراتيجية سيساهم بشكل مباشر في إعداد وتأهيل الكوادر البشرية المؤهلة التي يقع على عاتقها الدور الأكبر في قيادة عملية إعادة الإعمار والتنمية في السودان مستقبلاً.
بناءً على التحليل أعلاه، يمكن صياغة طريق للتحول يتجاوز مجرد استنساخ النموذج النيجيري، ويرتكز على:
1. حل التناقض التنظيمي في السودان: توحيد الجهة المسؤولة عن الاعتماد والرقابة على مراكز التعليم في الخارج، بحيث تكون ولايتها واضحة وغير قابلة للجدل، لتجنب أزمة نيجيريا.
2. الاستثمار في نموذج “المراكز المعتمدة” (Accredited Hubs): بدلاً من إغلاق المراكز، تحويلها إلى مراكز تعلم معتمدة تتبع نموذج MIT ReACT، حيث تقدم برامج مدمجة بالشراكة مع جامعات سودانية ودولية مرموقة.
3. تفعيل “الامتحان الوطني” كآلية لضمان الجودة: وهو النقطة الأكثر جرأة، ويمكن تطبيقه تدريجياً، بحيث يكون اجتيازه شرطاً لمنح الشهادة، مما يحمي سمعة الشهادة السودانية ويضمن كفاءة الخريج.
4. بناء جسور مع القطاع الخاص: تصميم برامج تدريبية مهنية قصيرة (Micro-credentials) بالتعاون مع شركات في دول اللجوء، لتوفير فرص عمل فورية للطلاب، وتحويل المراكز من “خصم” على سمعة التعليم إلى “قيمة مضافة” لسوق العمل.
ختاماً: هذه الرؤية تحوّل التحدي إلى فرصة، وتضع الطالب السوداني في قلب المنافسة العالمية، بدلاً من تركه في عزلة تعليمية. إنها دعوة للانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية البناء، ومن إدارة الأزمات إلى هندسة المستقبل.

