دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (9)

بعد كل ما سبق في هذه السلسلة، يبقى السؤال الأهم: إلى أين ينبغي أن يقود الحوار السوداني– السوداني؟ فليس المقصود مجرد جمع الفرقاء حول مائدة واحدة، ولا الوصول إلى اتفاق عابر لتشكيل حكومة جديدة، وإنما الانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة. ووقف الحرب، على ضرورته وإلحاحه، ليس نهاية الطريق؛ إذ لا يستقيم السلام إذا ظلت أسباب الأزمات المتكررة قائمة، وظلت أسئلة الحكم والسلطة والدولة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
ولهذا، يقوم الطريق المقترح على مسارين متوازيين ومتكاملين: مسار عاجل تقوده سلطة انتقالية من الكفاءات المستقلة لإدارة الحاضر، وإنهاء آثار الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة مؤسسات الدولة إلى أداء وظائفها؛ ومسار تأسيسي يتجه إلى المستقبل، عبر حوار جاد حول القضايا التي ظلت معلقة لعقود، وفي مقدمتها طبيعة نظام الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والعلاقة بين الجيش والسياسة، والمواطنة والعدالة وسيادة القانون. وتنظم المرحلة الانتقالية بورقة دستورية محددة الغرض والمدة، تهيئ لانتخابات حرة ونزيهة تنتج الشرعية الشعبية، ثم تسلّم السلطة إلى حكومة وبرلمان منتخبين يتوليان مسؤولية بناء النظام الدستوري الدائم.
وهنا تكتمل رسالة «الحوار وإن طال السفر»: فالحوار ليس غاية في ذاته، ولا وسيلة لتمديد الانتقال، ولا طريقاً إلى المحاصصة أو الحصانة أو احتكار المستقبل؛ وإنما قيمته فيما يفضي إليه من سلام واستقرار ومؤسسات وشرعية دستورية. وقد يطول السفر، لأن بناء الثقة يحتاج إلى وقت، ولأن تأسيس الدولة أصعب من تشكيل الحكومات. لكن الخطر الحقيقي ليس في طول الطريق، وإنما في أن نعود، بعد كل هذا العناء، إلى النقطة التي بدأنا منها. فإذا اتفقنا على وجهة السفر، وأحسنّا اختيار الطريق، فقد يكون الحوار هذه المرة بداية الوصول، لا محطة جديدة في الدوران.
الخرطوم 22 سبتمبر 2026

