دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: عودة الجنجويد

لم تكن ظاهرة الجنجويد نتاج قوة ذاتية، وإنما ثمرة لسياسات حزب فتح أمامها أبواب الدولة. فقد أنشأ ومنح النظام البائد لهذه القوات نفوذاً خارج الأطر العسكرية التقليدية، ووفّر لها الغطاء السياسي والمالي والعسكري الذي مكّنها من التحول إلى قوة موازية لمؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، توسع نفوذها من المجال الأمني إلى مفاصل الدولة الاقتصادية والإدارية. ولم يتوقف هذا التمدد بعد ثورة ديسمبر، بل استمر وسط مباركة وصمت القوتين العسكرية والمدنية، بما أضعف مؤسسات الدولة ورسّخ ازدواج السلطة والسلاح.
ولم يقتصر نفوذ حميدتي على القوة العسكرية، بل امتد إلى السيطرة على مناجم الذهب وموارد استراتيجية أخرى، والتغلغل في قطاعات اقتصادية ومؤسسات مالية وفر له مصادر تمويل مستقلة مكّنته من بناء شبكة واسعة من المنتفعين والموالين داخل السودان وخارجه. وبذلك نشأ نظام اقتصادي وسياسي موازٍ، يملك أدوات القوة والتمويل ويؤثر في القرار العام بعيداً عن الرقابة وسيادة حكم القانون.
إن الإصلاح المؤسسي لا يقتضي إزالة تمكين النظام السابق وحده، بل يتطلب أيضاً تفكيك البنية التي صنعت الجنجويد ورعت تمددهم. فكل مؤسسة أو شركة أو شبكة مصالح نشأت خارج الإطار الدستوري والقانوني، أو ارتبطت باستمرار هذا النفوذ أو بأي صيغة مشابهة، سواء قبل أو بعد حرب الخامس عشر من أبريل، ينبغي أن تخضع للمراجعة والمساءلة وفق القانون. فاستعادة الدولة لا تتحقق باستبدال أشخاص بآخرين، وإنما بإزالة كافة أشكال النظام الموازي، وحصر السلاح والموارد في يد الدولة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس الشرعية والمهنية وسيادة حكم القانون، بالعدم فإن مسلسل الجنجويد لا محالة قائم.
الخرطوم 3 يوليو 2026

