مقالات

كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: عمال الله وصرف الأجور والاستحقاقات

البشر عمال الله في الدنيا، أخذ على ذلك ميثاقهم، وعرفوا حقوقهم وواجباتهم، ووقعوا عقودهم.
وبدأ تنفيذ شروط العقد:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) سورة التوبة.
العمل مشهود ومراقب بحرية كاملة:

(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا) الإسراء.
منهم من اجتهد وأخلص في عمله حسب عقده، وجاء يوم الصرف وأتى لأخذ أجرته، فوجد عمله محضرًا:

(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ) طه.
ومنهم من أهمل في عمله وفرّط في واجباته، وعمل عملًا دون ذلك، ليس له علاقة بعقد عمله:

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) الكهف.
إنه العمل التعيس الخائب خارج المقرر، يسعى صاحبه جاهدًا متعبًا، وقد ترك واجباته وانصرف إلى شهواته:
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ۝ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً) الغاشية.
إنه الخسران المبين وضياع السنين، رغم الضنى والأنين، في غفلة مستكين.
يأتي هذا المسكين يوم صرف الاستحقاقات والمرتبات، فلا يجد عنده شيئًا.

أين أعمالهم؟ لقد كانت:
(أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) سورة إبراهيم.
يأتي بعد الزحف نحو خزينة الصرف.
يا للمفاجأة!!
فقد كانت:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) النور.

كانت أعمال كبيرة مثل جبال تهامة، ولكنها في الباطل فنسفت نسفًا:
(وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) الفرقان.
لقد كانت الصدمة كبيرة، وهو أمام صاحب العمل الكبير المتعال:
(وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) السجدة.
فهل من فرصة؟

(كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) المؤمنون.
هؤلاء لن تفيدهم فرصة أخرى، فقد طُمست بصيرتهم:
(وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) الأنعام.
ثم يأتي صنف آخر من العمال:
(خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) التوبة.
هؤلاء عندهم ساعات عمل خالصة حسب العقد.
هؤلاء:

(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة.
تأتي التوبة العجيبة الحبيبة.

(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) الأحقاف.
ليس هذا فقط!
(لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) الزمر.
ثم يأتي بعد هؤلاء صنف آخر من العمال، قد نسوا العقد وأهملوا التطبيق، ولكنهم سرعان ما رجعوا وأصلحوا ما أفسدوا من عمل:
(إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة الأنعام.

وهؤلاء أيضًا تأتي التوبة العجيبة الحبيبة:
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) سورة الفرقان.

يظل العامل مرهونًا بعمله، الذي يصدق قوله:
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فاطر.
يوم الجزاء:

(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) آل عمران.
إنه يوم الجائزة والصرف:
(لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) سورة الصافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى