كرّ البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: يتيهون في الأرض

عذرًا، أعيد نشر هذا المقال الذي كتبته سابقًا.
إن في تاريخ حياة الأمم الغابرة لعبرةً وذِكرى، وإن في تاريخها ناموسًا وسُنّةً يعيد نفسه على المستوى الجزئي والكلي، ليعتبر به أهل الصلاح والتقوى كل مرة، ويغفل عنه أهل الضلال والمعصية.
يتعظ به من يخاف ويرجو، ويتلهى به من طغى واستغنى، ولم يُرِد إلا الحياة الدنيا، والآخرة خيرٌ وأبقى.
وفي قصة موسى عليه السلام يظهر ذلك ويتجلّى، كيف أنهم قد حُرِّمت عليهم الأرض أربعين سنة، يتيهون فيها كالأعمى، لا يعرفون لهم طريق هدى، ولا يصلون إلى أرضهم المقدسة إلا بعد أن تنتهي عقوبتهم وتُقضى؛ فقد حكم الله بذلك وقضى، بالرغم من أن معهم رسولهم موسى الذي اختاره الله ورضي عنه.
فيا ترى، ما سبب هذه العقوبة المُخزية التي أصبحت في القرآن تُتلى لنستخلص منها العبرة؟
قال القرطبي في تفسيره: (وكانت سنو التيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم بسنة).
إنني أخشى ما أخشى أن تُقابل سنو حربنا بمثل أيام ما تسلّط علينا من هم أظلم وأطغى، وأن يُقابل كل يوم بسنة.
أتذكرون يوم قالوا: العرقي يكون مجانًا، والبنقو ببطاقة تموينية عيان بيان؟
أتذكرون الدفاع عن حقوق أهل الأوثان، والاستخفاف بتلاوة القرآن، وسورة الزلزلة تُخيف الصبيان؟
ونادوا بالمثلية، وأن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، والمطالبة بالعلمانية ومساواة الأديان، وترك البسملة، وألا تكون عنوانًا، والخمر مباح، والسفه والمجنون في أجهزة الإعلام.
والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كمان، كلهم يقررون في شأن السودان، وزكاة الديوان فُتحت أبوابها لدسّيسٍ مان، واستحلّ مال الزكاة بنو علمان.
وقد سكتنا جميعًا إلا بعض الشجعان، فقد خرس اللسان، ولم يعترض أي إنسان، والقيم والأخلاق تُستهان.
أليس هذا هو بداية التوهان؟
إنسان السودان، أهل الطيبة وعِشرة الضيفان، وحتى الطير إن جاءنا جائعًا يصبح شبعان، أهل الطيبة وحقوق الجيران، أهل البطولة والفرسان، أهل الخلوة والقرآن، أهل الحشمة واستحياء النساء وأدب الصبيان.
فيا ترى، هل فاحت رائحة فسادنا، فأراد الله أن يطهّر أرضنا منا، ويزكّي الأجيال الصالحة بعدنا؟
قال صاحب التفسير القرآني: (ولعل الحكمة في توقيت التيه أربعين سنة هي أن يموت هذا الجيل الذي كان منه هذا الفساد والضلال).
يا رب: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك، تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين) [الأعراف].
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

