مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: الخطة (ج)… بُرُو !

لم تعد الحرب في السودان محصورة في فوهات البنادق وفوهات المدافع، فثمة معركة أخرى تدور في الأسواق، وتضرب الجنيه في مقتل، وتضع لقمة المواطن تحت رحمة أسعار تتسابق نحو الأعلى بلا فرامل! إنها الحرب الاقتصادية التي هي الوجه الآخر لمخطط الجنجويد ومن يعاونهم في الداخل والخارج، حيث لا يحتاج العدو إلى احتلال مدينة إذا استطاع أن يجعل الحياة فيها جحيماً، ولا يحتاج إلى إطلاق رصاصة إذا كان قادراً على إنهاك المواطن في معاشه.

الخطة (ج برو) ليست مجرد اسم ساخر، بل توصيف لخطة الجنجويد في تقديرنا، أن يعجزوا عن تحقيق أهدافهم بالسلاح، فيراهنوا على إنهاك الدولة اقتصادياً، وضرب قيمة الجنيه، وإرباك الأسواق، واستنزاف الموارد، وإشاعة الخوف وفقدان الثقة ، غير أن إثبات وجود مخطط منظم كهذا يحتاج إلى معلومات وأدلة تكشف أدوار المتورطين ومسارات الأموال وشبكات التهريب والتخريب، حتى لا تختلط الحرب الاقتصادية بأخطاء السياسات الداخلية ومظاهر الفساد والمضاربة.

الحرب الاقتصادية سلاح خفي، لكنه موجع، حين تتراجع العملة ترتفع تكلفة الاستيراد، وحين تتعطل سلاسل الإمداد وتُهرّب الموارد وتُحتكر السلع، يدفع المواطن الثمن من قوته ودوائه وتعليم أبنائه. ومع استمرار الغلاء، تتآكل القدرة الشرائية، ويتراجع الإنتاج، ويتسع الفقر، ويصبح الضغط المعيشي مدخلاً لضرب الجبهة الداخلية وزعزعة الثقة في الدولة، وهنا تكمن خطورة المعركة، فهي لا تستهدف خزائن الحكومة وحدها، بل تستهدف قدرة الشعب على الصمود.

لكن السؤال الأهم: كيف نُفشل (الخطة ج برو)؟ لا بالبيانات والتصريحات، وإنما بخطة اقتصادية عاجلة تشمل ضبط سوق النقد الأجنبي، وملاحقة تهريب الذهب والسلع الاستراتيجية، وكشف شبكات المضاربة والتمويل المشبوه، وتأمين طرق الإمداد، ومحاربة الاحتكار والفساد، ودعم الإنتاج المحلي والصادرات، وعلى الحكومة أن تتحرك لحماية السلع الأساسية، وتوفير مخزون استراتيجي، ومراقبة الأسواق بفاعلية، ومصارحة المواطن بما يجري وما يُتخذ من إجراءات.

وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل الحرب شماعة نعلّق عليها كل إخفاق، فالأخطاء الاقتصادية الداخلية، وضعف الرقابة، وتعدد الرسوم، وسوء إدارة الموارد، كلها ثغرات قد يستفيد منها العدو، لكنها تظل مسؤولية يجب معالجتها بلا تردد، إن حماية الجبهة الداخلية تبدأ من حماية معاش الناس، لأن المواطن الذي صمد أمام الرصاص لا ينبغي أن يُترك وحيداً في مواجهة نار الأسعار.

إني من منصتي أنظر… حيث أرى أن الجنجويد قد يراهنون على أن يعجز السلاح عما تنجزه المعاناة، وأن تهزم الأسعار ما لم تهزمه المدافع ، لكن الرد على (الخطة ج برو) يجب أن يكون بخطة دولة لا بخطاب دولة، اقتصاد يُحمى، وإنتاج يُدعَم، وموارد تُصان، وأسواق تُضبَط. فالمعركة ليست فقط من يملك الأرض، بل من يستطيع أن يحفظ للإنسان كرامته ولقمة عيشه فوق هذه الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى