مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: حذاري من الهدّام !

في الحروب لا يقتلك الرصاص وحده، فهناك ما هو أخطر من البندقية، وأشد فتكاً من المدفع، وأمضى من السكين، هناك عدو يعمل في صمت، لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يهدم الأوطان من الداخل كما يفعل (الهدّام) حين ينخر ضفة النهر من تحتها حتى تنهار دفعة واحدة وتبتلع المياه كل ما فوقها

الهدّام السياسي هو أخطر أنواع الهدم ، لأنه لا يأتيك بوجه العدو المعروف، بل يتسلل إليك مرتدياً ثوب الصديق والوطنية والحرص على المصلحة العامة، يبتسم في وجهك بينما يحمل معوله خلف ظهره، ويهتف للوطن في النهار بينما يقرض جذوره في الظلام

نراه اليوم في تعطيل الخدمات التي تمس حياة المواطن اليومية، وفي صناعة الأزمات وخلق الاختناقات، وفي التصريحات الطائشة التي تخرج من بعض المسؤولين فتربك المشهد وتمنح الأعداء ذخيرة مجانية ، نراه في أبواق النشطاء الذين (قاموا بروز)! ، فصاروا يتقنون فن الصراخ أكثر من إتقانهم فن البناء،
ونراه كذلك في بعض الأقلام المأجورة التي لا تكتب بالحبر وإنما بالأحقاد، أقلام إذا رأت نجاحاً طمسته، وإذا رأت إنجازاً شوّهته، وإذا رأت أملاً حاربته، أقلام تتغذى على الإشاعات وتعيش على الأكاذيب، وتجتهد في تحويل (الحبة إلى قبة) ، والقبة إلى جبل كذبا، والجبل إلى كارثة وطنية

التاريخ يعلمنا أن دولاً كثيرة لم تسقط بقوة جيوش أعدائها، بل سقطت بسبب خناجر أبنائها، وأن الرؤساء والحكومات كثيراً ما هُزموا عندما استهانوا بأصحاب الهدم الناعم والتخريب الصامت، فالمعركة الحقيقية ليست دائماً على خطوط النار، بل أحياناً تكون داخل المكاتب والمؤسسات والمنصات الإعلامية وغرف التخطيط المظلمة

الأخطر من ذلك كله أن يتحول النفاق الوطني إلى مهنة،أن تجد من يرفع علم الوطن بيد، ويغرس الخنجر في خاصرته باليد الأخرى، أن تجد من يتحدث عن السيادة صباحاً، ثم يطعنها مساءً ، وأن يصبح دفن الحقائق، والتستر على المؤامرات، وتبرير الفشل، منهجاً يومياً يمارس تحت جنح الظلام

ولهذا فإن معركة التطهير لا ينبغي أن تُفهم على أنها معركة ميدانية فقط، صحيح أن الجبهات العسكرية مهمة، لكن هناك جبهات أخرى لا تقل خطورة، هناك مؤسسات خدمية وإدارية ومدنية ما زالت تعاني من بقايا شبكات تعمل بعقلية قديمة وأجندة معروفة، تتقن العرقلة أكثر من الإنجاز، وتؤمن بالفوضى أكثر من الاستقرار، وتنتظر الفرصة المناسبة لتوجيه الضربة من الداخل

إن الدولة التي انتصرت في الميدان مطالبة اليوم بأن تنتصر في المؤسسات، والانتصار في المؤسسات يبدأ بالرقابة، والمحاسبة، والمتابعة الدقيقة، وتجفيف منابع التخريب الإداري والسياسي والإعلامي ، فلا معنى لتحرير الأرض إذا تُركت العقول والدوائر والمرافق الحيوية رهينة للهدّامين

إني من منصتي أنظر …. حيث أرى…. أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس العدو الذي يقف خلف الحدود، بل الهدّام الذي يسكن داخل الأسوار، ولذلك نقولها بملء الفم: انتبهوا للهدّام قبل أن يبتلع الضفة كلها، فحين تنهار الأرض تحت الأقدام لا ينفع الندم.
وإني لكم لمن الناصحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى