من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: من يحمل نعش المليشيا؟

حين تدخل المليشيا مرحلة الإنكار، فاعلم أنها بلغت آخر الطريق. وحين تبدأ الحكامات في البكاء بعد أن كنّ يضربن الدلوكة للخراب، فاعلم أن طبول الهزيمة قد سبقت طبول الحرب. وحين يتحول خطاب التهديد إلى استغاثة، والوعيد إلى نواح، فذلك ليس تبدلًا في النبرة، بل شهادة وفاة تُكتب على الهواء مباشرة.
الضربة التي استهدفت الطائرة الإماراتية بنيالا كانت صفعة مدوية على وجه المشروع كله؛ ضربة كشفت هشاشة المليشيا، وعرّت غرف عملياتها، وأرسلت رسالة بالنار أن السماء لم تعد آمنة لمن ظنوا أن دارفور مزرعة مفتوحة للمرتزقة والمهندسين القادمين لصناعة الخراب.
سقط في تلك الضربة قيادات وفنيون وخبراء، وظنت المليشيا أن بإمكانها دفن الخبر تحت دخان الأكاذيب، لكن رائحة الخسارة كانت أقوى من كل بيانات الإنكار. فالوجوه التي كانت تدير ماكينة الموت اختفت فجأة، والارتباك الذي أصاب أذرعهم السياسية والإعلامية كشف حجم الكارثة أكثر مما كشفته صور الحطام.
وفي ذات الوقت، تستمر الانسلاخات اليومية من جسد المليشيا كأنها نزيف لا يتوقف؛ أفراد يسلمون أنفسهم، وآخرون يهربون من جحيم الوهم إلى حضن الوطن، وكأن الجميع أدرك متأخرًا أن المركب التي صعدوا إليها كانت مثقوبة منذ البداية. لقد نُخر عظم هذه المليشيا، وبقي لسانها فقط يتحرك بالضجيج والتهديد، أما الجسد فقد صار ميتًا يتوكأ على بيانات خاوية ودعم مرتبك.
في جنوب كردفان، هناك مشهد آخر يزيد الحلو غضبًا واختناقًا. الانفتاحات العسكرية التي يحققها أبطال القوات المسلحة في الدلنج ومحيطها جعلت حسابات التمرد تتهاوى كبيوت الرمل. فكل تقدم أخضر على الأرض يعني ضيقًا أكبر في صدر الذين كانوا يراهنون على الفوضى والانهيار.
أما نسور الجو، فقد حولت سماء دارفور إلى كابوس دائم للمليشيا. فالضربات الدقيقة التي حيّدت قيادات بارزة داخل المدن أكدت أن عين الدولة ما زالت مفتوحة، وأن الذين كانوا يخططون في الظلام صاروا الآن يخافون حتى من ضوء النهار.
الجناح السياسي للمليشيا يعيش هو الآخر حالة تيه كاملة؛ تصريحات متضاربة، واتهامات متبادلة، ولايفات تنهش بعضها بعضًا، حتى صار الحلفاء أنفسهم يتبرؤون من بعضهم على الهواء مباشرة. مشهد مرتبك يشبه سوقًا انهار سقفه فوق رؤوس الباعة.
لكن المشهد الأكثر قسوة كان صوت الحكامة بالأمس؛ تلك التي كانت تحرض على الدم، وتزغرد للقتل، وتبشر بالأشلاء كأنها انتصارات، خرجت أخيرًا تبكي بناتها اللائي ذهبن بلا عودة. لم يكن بكاؤها على الموت فقط، بل على المصير الذي صار أشد مرارة من الموت نفسه. هناك لحظات يسقط فيها الزيف دفعة واحدة، وتسقط معها كل الأغاني التي صُنعت للخراب.
إني من منصتي أنظر… حيث أرى… أن المليشيا تتهاوى بلا كتف يحمل نعشها، حتى الدويلة التي غذتها بالسلاح والمال باتت تخجل من الاقتراب من جثمانها المتعفن سياسيًا وأخلاقيًا وعسكريًا. لا أحد يريد أن يتحمل فاتورة الهزيمة، ولا أحد مستعد لأن يضع اسمه على شاهد قبر مشروع احترق قبل أن يكتمل.
من يحمل النعش إذن؟
ليس هناك سوى طائر الـ«كلينغ»! يحوم فوق الجثة، ينتظر اللحظة الأخيرة، ليعلن أن هذه المليشيا التي طغت وتجبرت وأفسدت في الأرض، قد صارت معدته قبرًا لها.

