موازنات.. الطيب المكابرابي يكتب: المريض ليس خصمًا: إدانة لممارسة طبية تفتقر للإنسانية

بقلم د. أبشر الحاج
شهدنا -كعائلة- مؤخرًا واقعة طبية مقلقة من حيث دلالاتها الأخلاقية والمهنية، تتعلق بأحد الأطباء العاملين في مستشفى الدامر، والذي يدير كذلك عيادته الخاصة. ورغم ما قد يُنسب إليه من كفاءة سريرية وكونه استشاريًا في تخصصه، فإن الممارسة الطبية لا تُقاس بالمهارة التقنية وحدها، بل بمنظومة قيم متكاملة، في مقدمتها احترام المريض وصون كرامته. وهذه الركائز، في هذه الحالة، تبدو متآكلة بصورة لافتة…
تتلخص الواقعة في أننا اصطحبنا مريضة لتلقي الاستشارة عند هذا الطبيب في عيادته الخاصة بمدينة الدامر، وبعد إكمال الكشف، أوصى الطبيب بتحويلها إلى قسم الحوادث. غير أن المريضة -وبسبب تجربة سلبية سابقة لها معه في ذات المكان- أبدت رفضها الذهاب، وهو موقف يمكن فهمه في سياق خبرة نفسية سابقة للمريضة مع هذا الطبيب. إلا أن رد الفعل الذي أعقب ذلك خرج عن حدود المقبول مهنيًا؛ إذ قام الطبيب بتمزيق كرت العيادة، وطرد المريضة، وأصدر توجيهات صريحة بعدم السماح لها بمقابلته مستقبلًا.
هذا السلوك يعد إخلالًا جوهريًا بأبجديات الممارسة الطبية. فالعلاقة العلاجية لا تُدار بمنطق الإقصاء، ولا تُبنى على ردود أفعال عقابية. وأين موقع ما يُعرف في الأدبيات الطبية الحديثة بـ Humanistic patient-centred approach في مثل هذا التصرف؟ إن تغييب هذا النهج -القائم على التعاطف، والإنصات، وإشراك المريض في القرار- يُفرغ الممارسة الطبية من بعدها الإنساني، ويحوّلها إلى إجراء تقني منزوع القيم.
ولا تقف الإشكالية عند هذه الواقعة؛ إذ تشير إفادات متعددة إلى نمط متكرر من الخطاب الطبي القاسي، يتضمن إطلاق أحكام جازمة على مآلات المرضى، من قبيل وصف الحالات بأنها “ميؤوس منها” أو التقليل من جدوى علاجها. ومهما كانت الدوافع، فإن نقل التوقعات السريرية بهذه الصورة القطعية والجارحة يخالف أصول التواصل الطبي الرشيد، الذي يوازن بين الصدق العلمي والدعم النفسي، ويحفظ كرامة المريض وذويه.
إن إصدار أحكام نهائية بهذا القدر من القطعية لا يعكس فقط قصورًا في الحس الإنساني، بل يمثل تجاوزًا لحدود الدور المهني؛ فالتقدير الإكلينيكي يظل تقديرًا احتماليًا محكومًا بالمعطيات، لا يقينًا مطلقًا يُلقى دون اعتبار لتبعاته النفسية.
وإذا كانت القيم الطبية الحقة تظهر بوضوح في أحلك الظروف، فإن التاريخ يورد نماذج مضيئة تؤكد عالمية الواجب الطبي وتجرده من الخصومات؛ إذ يُروى في الأثر أن صلاح الدين الأيوبي، وفي خضم الحروب الصليبية، بادر بإرسال طبيبه الخاص لمعالجة خصمه ريتشارد قلب الأسد، في تجسيد بليغ لمبدأ أن الرعاية الصحية التزام إنساني لا يخضع لاعتبارات العداء أو المواقف الشخصية. فكيف يستقيم بعد ذلك أن يُحرم مريض من حقه في الرعاية بسبب موقف أو اختلاف؟ أليس هذا السلوك جريمة يُعاقب عليها القانون؟!
وعلى مستوى بيئة العمل، فإن المؤشرات لا تقل خطورة؛ إذ يعكس أسلوب تعامل هذا الطبيب مع الكوادر الطبية والفنية نمطًا إداريًا متوترًا يتسم بالتدخل غير المهني، الأمر الذي انعكس في استنزاف واضح للكوادر المؤهلة، حيث غادر عدد كبير من الأخصائيين ذوي الكفاءة العالية المستشفى نتيجة هذا المناخ، وهو ما يعد مؤشرًا موضوعيًا على تدهور بيئة العمل وانعكاساته المباشرة على جودة الرعاية الصحية.
ومن موقع أكاديمي ومهني، يبرز التناقض بصورة أشد وضوحًا؛ إذ إن كاتب هذا المقال يحمل درجة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، ويقوم بتدريس مناهج طبية (ESP Courses) في عدد من الجامعات السودانية، من بينها مناهج Oxford English for Careers: Medicine (1, 2) وProfessional English in Use: Medicine الصادرة عن Cambridge University Press، إضافة إلى تدريسه لمقررات مثل Cambridge English for Nursing وOxford English for Careers: Nursing (1, 2). وهذه المناهج، في جوهرها، لا تقتصر على المصطلح الطبي، بل تؤسس لمعايير دقيقة في التواصل المهني الإنساني، وإدارة الحوار السريري، واحترام خصوصية المريض وكرامته. غير أن المؤسف أن ما تقرره هذه المراجع من مبادئ راسخة لا يجد انعكاسًا كافيًا في واقع الممارسة لدى شريحة معتبرة من الأطباء، إلا من رحم ربي، وهو ما يعمق الفجوة بين ما يُدرّس نظريًا وما يُمارس فعليًا على أرض الواقع.
إن حرمان مريض من تلقي الرعاية، أو رفض التعامل معه على أساس موقف شخصي، يعد خرقًا صريحًا لمبدأي العدالة وعدم التمييز، وهما من صميم أخلاقيات المهنة. وحتى عند تعذر الاستمرار في متابعة حالة ما، فإن الواجب المهني يقتضي إنهاء العلاقة العلاجية وفق أطر واضحة، تضمن استمرارية الرعاية عبر تحويل مناسب، دون إهانة أو إقصاء.
إن ما يثير القلق هنا ليس واقعة منفردة، بل نمط ممارسة يستدعي مساءلة مهنية جادة، ويطرح تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بمواثيق أخلاقيات الطب وآليات الرقابة عليها. فالمريض ليس حالة مجردة، بل إنسان له حقوق أصيلة، في مقدمتها الكرامة والاحترام.
وفي الختام، فإن الطب -منذ إرث أبقراط وحتى المعايير الحديثة- يقوم على أن احترام المريض ليس خيارًا مهنيًا، بل التزام لا يقبل التنازل….
تعليق:
هذا نموذج لسوء تقديرات طبيب، ودون شك مررنا ومررتم بمثله هنا وهناك. الكاتب لم يترك باب علاج لمثل هذا السلوك إلا طرقه، والشكاوى من مثل هذا السلوك متعددة، ولكنها مكبوتة في صدور من لا يعرفون كيف يشتكون.
الطب مهنة إنسانية، فإن فقدت هذا، فما هي إلا عمل وسوق للكسب، وربما حقل للتجريب.
ننتظر متابعة من وزارة الصحة، وبتقصٍّ خفي لأداء أطبائها، وتكرار دورات أدب التعامل مع المريض، وكذا المهمة ذاتها مطلوبة من نقابة الأطباء والمجلس الطبي…
وكان الله في عون الجميع.

