مقالات

د. أسامة عبداللطيف المشرف يكتب: أول درس في التربية الوطنية “أنا لِيّا عندك نص جنيه”

من المواقف التي لا تُنسى، أذكر أنني كنت أستقل إحدى المركبات في مدينة القاهرة، وكان يجلس بالقرب مني رجل تجاوز الثمانين من عمره، ظل يردد لسائق المركبة عبارة:
«أنا لِيّا عندك نص جنيه».

وعندما كررها عدة مرات، ولم ألحظ أي تذمر من الركاب، قلت في نفسي:
«الأفضل أن أنهي هذا الإزعاج».

فأخرجت من جيبي جنيهاً ومددته إليه، فنظر إليّ برهة وسألني بكل أدب:
— «إيه دا يا أفندم؟!»

قلت له:
— خذه، وأنا سأسترد الباقي عندما أنزل.

لكنه رفض، ثم التفت إليّ ليمنحني أول درس حقيقي في حب الوطن والحقوق والمواطنة، وقال باللهجة المصرية:

«شوف يا ابني، ما تفتكرش إن نص الجنيه ده بيعمل لي حاجة، ده ما بقاش يجيب عيشة حاف ولا أي حاجة، لكن إحنا اتعلمنا في المدارس وإحنا صغيرين إن اللي يفرّط في حقه الشخصي، مهما كان صغير، ييجي يوم ويفرّط في عرضه وبلده. وزي ما عندنا واجبات تجاه دولتنا ومجتمعنا، عندنا حقوق لازم نتمسك بيها.

فنص الجنيه اللي إنت شايفه قليل قوي، لدرجة إنك ممكن تدفعه لي، كان هو النواة الأولى لحبك لبلدك ومعرفة حقوقك. وما تفتكرش إن وضع البلد الحالي حيغيّر حاجة. لا… فمهما حصل ومهما اختلفنا، في حد أدنى ما يقدرش أي مصري يتجاوزه، وهو إنه يبيع أو يخون بلده.

هي كده… تتعلم وإنت صغير إزاي تحافظ على حقك مهما كان، عشان تحافظ على كل حاجة، بما فيها بلدك، وإنت كبير».

انتهى حديثه.

ولولا أنني شعرت بالإحراج وقتها، وأنا أتلقى أول درس عملي في حب الوطن والمواطنة، لصفقت له بحرارة.

لم أجد ما أقوله سوى ابتسامة عريضة، ولمست يده برفق، معبّراً عن فهمي وامتناني.

فالآن أدركت أن مطالبة الناس بـ«النصف جنيه» أو بالباقي البسيط، ليست كما كنا نظن نوعاً من البخل، بل هي دفاع عن الحق في أدنى مستوياته، والمطالبة بالحقوق حق يكفله القانون والدستور.

أما نحن، فعلى النقيض، نظن أن المطالبة بمبلغ زهيد أو بباقٍ بسيط قد تُدخلنا في دائرة الإحراج، أو أن الأمر لا يستحق النقاش. وربما نعتقد أن هذا السلوك نابع من الأخلاق والكرم، لكننا لا ندرك الرسالة التي تصل إلى الطرف الآخر؛ فهو قد يراك شخصاً يتنازل بسهولة عن حقوقه، وبالتالي يسهل خداعه أو استغلاله.

ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلت البعض يرفع الإيجارات والأسعار علينا، لأننا ندفع دون اعتراض أو مراعاة للظروف العامة وأحوال الناس.

أنا لا أدعو هنا إلى التخلي عن قيمنا وأخلاقنا ومُثلنا التي تربينا عليها، لكن علينا أن نفهم ثقافات المجتمعات الأخرى وعاداتها، وأن نحترمها، وأن نأخذ منها ما هو جميل ونافع.

كما يجب أن ندرك أن حب الوطن لا يُغرس عبر المحاضرات الجافة أو المناهج الجامدة التي تُدرّس كدروس الفيزياء والرياضيات، بل يحتاج إلى وسائل حديثة ومتعددة، وإلى رحلة طويلة تبدأ من التنشئة الأولى.

صحيح أن من إفرازات هذه الحرب المفروضة أنها أيقظت فينا مشاعر حب الوطن والانتماء إلى هذا التراب الغالي، لكن حتى لا يبقى ذلك مجرد شعور عاطفي مؤقت سرعان ما يذوب، لا بد من وضع خطط وسياسات قوية، آنية ومستقبلية، لترسيخ مفهوم المواطنة والانتماء.

وتطبيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فإن الدولة، عبر مؤسساتها التعليمية والثقافية والإعلامية، تستطيع أن تعزز مفهوم التربية الوطنية، الهادفة إلى تنشئة المواطن على مجموعة من المعارف والسلوكيات والقيم التي تجعله أكثر قدرة على خدمة مجتمعه وتطويره والدفاع عنه.

كما ينبغي الاهتمام بالنشء من خلال:

تربية الأطفال على التعاطف، والمشاركة المجتمعية، والمحبة، والعدالة، والتواصل الاجتماعي، والتفاعل الإيجابي.
التربية على ثقافة التسامح، والحوار، والسلام، والمبادرة، وخلق فرص عمل جديدة، لا مجرد التكيف مع البيئة المحيطة.
التربية على تحمل المسؤولية، والشعور بالمسؤولية تجاه حقوق الأفراد والجماعات.

أما التربية المدنية، فهي تنشئة المواطن على الانتماء لدولته أرضاً وشعباً ونظاماً، وتعريفه بحقوقه وواجباته.

وللأسرة كذلك دور محوري في تعزيز قيم التربية الوطنية، وذلك عبر:

تعويد الأبناء على الانضباط وحب النظام واحترامه.
الحديث معهم عن مفاهيم المواطنة الأساسية، مثل الحقوق والواجبات والمشاركة المجتمعية.
تعزيز القيم الأخلاقية والدينية التي تدعم التعايش السلمي والاحترام المتبادل.

فحب الأوطان من الإيمان، ومن لا يحب وطنه فهو مخالف للفطرة والطبيعة، ولا خير فيه.

وها هو خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة قائلاً:
«والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».

الوطن ليس مجرد حفنة تراب أو منزل نقيم فيه، بل هو القيمة الأولى التي يجب ألا تختلط بمعارضة الحكومات أو الأشخاص.

فمن لا يهتم بما يحدث لوطنه، ولا يشعر بالخوف على ضياعه، سيعيش كـ«المنبتّ» الذي:
«لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى».

وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي

فلنتحد جميعاً من أجل تصحيح المسار، وترتيب الأولويات، وإعادة بناء الوعي الاجتماعي والسياسي، وإحياء قيمنا وأخلاقنا السمحة بصورة أكثر وعياً وعلمية، حتى نورثها لأبنائنا وأحفادنا.

فالمرحلة القادمة يجب أن تكون ثورة حقيقية في تغيير مفاهيم الوعي، تتضافر فيها كل الجهود لبناء مجتمع معافى، مستقر، وأكثر قوة وتطوراً وازدهاراً.

والله من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى