مقالات

خليل فتحي خليل يكتب: فتحية إبراهيم.. صوتٌ لا يغيب من ذاكرة الوطن

من رائدات الإذاعة السودانية.. لن ننساها أبدًا، فهي محفورة في وجدان جيل كامل

في حضرة بعض الأسماء تخفت اللغة قليلًا، لا عجزًا… بل هيبة.

هم من علّمونا، وهم من تأثرنا بهم في العمل الإعلامي، أحببناهم قبل أن نراهم عبر ذلك الصندوق السحري: الراديو.

وأمام قامة مثل الدكتورة فتحية إبراهيم، ندرك أن الحديث ليس عن مذيعة عابرة، بل عن زمن كامل تجسّد في إنسانة، وعن مدرسة إعلامية كتبت حضورها بالحرف والصوت والإحساس.

وُلدت في ود مدني – مارنجان، في قلب مشروع الجزيرة، حيث كانت الحياة تسير بإيقاع الأرض والماء. تنقّلت مع والدها، الذي عمل في الري، بين التفاتيش ومكاتبه: 24، 65، كمل نومك، والمناقل، فكبرت وهي ترى السودان في تفاصيله الصغيرة، وتسمع نبض الناس قبل أن تتعلّم كيف تخاطبه.

من قوشابي جاء إرث الأب، ومن دبة الفقرا دفء الأم، فاجتمع في روحها ذلك الصفاء السوداني النادر.

في المناقل بدأت الحكاية، وفي الدويم – بمدرسة خليل عثمان – أطلّت موهبتها، حين كانت تقف على خشبة الجمعيات الأدبية ممثلةً ومتحدثةً، واثقةً من صوتها، كأنها كانت تتدرّب مبكرًا على أن تكون صوت الآخرين.
ثم جاءت الرحلة الأكاديمية، فدرست اللغة العربية بجامعة أم درمان الأهلية، حيث صقلت أدواتها اللغوية، وتعمّقت في جماليات التعبير.

ومن جامعة الخرطوم نالت الماجستير في الإعلام، لتفهم المهنة علمًا كما أتقنتها إحساسًا، ثم توّجت مسيرتها بالدكتوراه في علوم الاتصال من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، لتصبح واحدة من القلائل الذين جمعوا بين الموهبة الفطرية والتأصيل الأكاديمي.

لكن الحكاية الحقيقية بدأت حين لامست الميكروفون.

دخلت الإذاعة السودانية بدفعة إيمان صادقة من مهندس الصوت الراحل صلاح عباس، الذي رأى فيها ما لم يكن ظاهرًا للآخرين بعد. ومنذ تلك اللحظة لم يكن الميكروفون مجرد أداة… بل صار مساحة روح.
صوتها لم يكن عاليًا، لكنه كان عميقًا.

لم يكن متكلّفًا، بل صادقًا.

صوت يعرف متى يهمس، ومتى يصمت، ومتى يترك المسافة للكلمة كي تُكمل أثرها.

في زمن كانت فيه الإذاعة تُصنع بحرفية صارمة، كانت فتحية واحدة من المجيدات لفن الإلقاء الإذاعي، ممن يدركن أن:

النبرة ليست ارتفاعًا وانخفاضًا فحسب… بل معنى.

والوقفة بين الجمل ليست فراغًا… بل إحساس.

والمذيع الحقيقي لا يقرأ النص… بل يعيشه.
كانت تتحكّم في مخارج الحروف بدقة، وتمنح اللغة العربية موسيقاها الطبيعية دون تكلّف، وتحمل الكلمة طاقتها الشعورية، فتصل إلى المستمع وكأنها خُلقت له وحده.

انتقلت إلى التلفزيون السوداني، ولم تفقد تلك الروح الإذاعية، بل حملتها معها إلى الشاشة، فكانت مثالًا للمذيعة التي ترى الكاميرا امتدادًا للميكروفون، لا بديلًا عنه.
قدّمت جريدة المساء برصانة تشبه نشرات الزمن الجميل، حيث الخبر قيمة، والتقديم مسؤولية.

وفي من الأمس كانت تُنقّب في الذاكرة، لا لتروي الماضي فقط، بل لتعيد إليه الحياة.

وفي لوحة على الهواء كانت تجيد رسم الصورة بالكلمة، وتلوينها بالإحساس.

أما خلف القضبان، فكان مساحة إنسانية عميقة، تُحسن فيها الإصغاء قبل الحديث، وتقدّم الإنسان قبل القضية.

ما يطلبه المستمعون… هناك كانت قريبة من الناس، بسيطة، دافئة، كأنها واحدة منهم.

عزيزي المشاهد… خطاب مباشر راقٍ، يعيد الثقة بين الشاشة والمتلقي.

صالة فنون ورد الجميل… منصات احتفاء بالجمال والإبداع، كانت فيها محاورة تعرف كيف تنصت، وكيف تُخرج من ضيوفها أجمل ما لديهم.

وفي السهرات التلفزيونية بلغت ذروة نضجها…

حيث الحوار ليس أسئلة، بل رحلة…

والضيف ليس متحدثًا، بل حكاية.

استضافت كبار المبدعين من شعراء وفنانين، وكانت تدير الحوار بثقافة واسعة، وهدوء واثق، وحضور لا يطغى على الضيف، بل يرفعه.

ثم جاءت تجربة الاغتراب (1996 – 2007)، بين إذاعة أبوظبي وجامعات السعودية بالقنفذة، حيث نقلت خبرتها إلى فضاءات أوسع، دون أن تفقد روحها الأولى.

وعادت إلى الحقل الأكاديمي، مساعدة تدريس بجامعة أم درمان الأهلية، تعلّم الأجيال أن الإعلام ليس مهنة فقط… بل أخلاق.

كما أسهمت في تأسيس الإذاعة الرياضية، لتؤكد أن الإبداع لا تحدّه منصة، وأن الصوت الجيد يجد طريقه في كل المساحات.

فتحية إبراهيم ليست فقط من الجيل الذهبي، بل من أولئك الذين صنعوا ذهب ذلك الجيل.

هي من المذيعات اللائي يفهمن أن:

الإعداد نصف النجاح،
واللغة هي الهوية،
والصدق هو الطريق الأقصر إلى القلوب.

هي التي جعلت من البساطة قيمة، ومن الهدوء قوة، ومن الحضور رسالة.

وحين نذكرها اليوم، لا نستدعي اسمًا…

بل نستدعي زمنًا كانت فيه الكلمة تُحترم،
والصوت يُصان،
والإعلام يُمارَس فنًا راقيًا لا ضجيجًا.
فتحية إبراهيم…
وجه مضيء، وصوت لا يغيب،
وأثر باقٍ… في ذاكرة لا تشيخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى