بالواضح.. محمد عثمان الرضي يكتب: قرارات عمياء من برج عاجي.. حظر 45 سلعة يشعل غضب السودانيين

أصدر رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس قراراً بحظر استيراد 45 سلعة، زاعماً أن الخطوة ستسهم في كبح الدولار وإنقاذ الجنيه المنهار.
لكن القرار هبط على رؤوس المواطنين كالصاعقة، لأنه صدر في توقيت تختنق فيه البلاد بأقسى أزمة اقتصادية ومعيشية في تاريخها الحديث.
الحكومة وصفت السلع المحظورة بأنها كمالية وغير ضرورية، غير أن القائمة نفسها تكشف حجم الانفصال المذهل عن واقع الناس.
من بين السلع المحظورة الأرز، وهو غذاء يومي لكثير من الأسر التي لا تجد أصلاً ما يسد الرمق.
كما شمل القرار الفول المصري، الوجبة الشعبية الأولى على موائد السودانيين، خصوصاً في الإفطار.
إدراج الفول ضمن الكماليات ليس مجرد خطأ، بل فضيحة إدارية تكشف أن من صاغ القرار لا يعرف ماذا يأكل الناس ولا كيف يعيشون.
المواطن السوداني اليوم لا يبحث عن الرفاهية، بل يطارد لقمة العيش وسط نار الحرب وجحيم الأسعار.
كان يمكن فهم مثل هذه القرارات لو كانت البلاد تنعم بالاستقرار والإنتاج والوفرة، لكن السودان اليوم بلد منكوب.
الحرب أحرقت الاقتصاد، وكسرت الأسواق، وشردت الملايين، ودفعت المواطن إلى حافة اليأس.
الأسعار تشتعل يومياً، والدخول تتبخر، والناس يعيشون بين الجوع والخوف وانعدام الأمل.
في هذا الخراب الكامل، جاءت الحكومة لتعلن حرباً جديدة على ما تبقى من قوت المواطن.
القرار شمل الأسمنت أيضاً، وكأن من أصدره لا يعلم أن مدناً كاملة تحتاج إلى إعادة بناء من الصفر.
آلاف المنازل نُهبت ودُمّرت وتحولت إلى أطلال، والناس يبحثون عن حجر يعيد لهم سقفاً يسترهم.
فكيف يُمنع الأسمنت في بلد يحتاج إلى ورشة إعمار وطنية عاجلة؟
كما طال الحظر الأثاثات، رغم أن أسرًا كثيرة فقدت كل شيء ولم يتبق لها سوى الملابس التي ترتديها.
المواطن الذي خرج من الحرب بلا سرير ولا كرسي ولا باب، يُعاقب اليوم بقرارات باردة لا تعرف الرحمة.
هذا ليس إصلاحاً اقتصادياً، بل إدارة مرتبكة تعاقب الضحية وتترك أصل الأزمة بلا علاج.
من أعد هذا القرار يبدو أنه قرأ أرقاماً على الورق، لكنه لم يرَور صفوف الخبز ولا وجوه الجائعين.
مكافحة الدولار لا تتم بالشعارات ولا بقرارات ارتجالية تفتقد الحد الأدنى من المنطق.
حظر السلع الأساسية لن يخفض الدولار، بل سيرفع الأسعار ويضاعف معاناة الناس.
المؤكد أن هذه القرارات ستنعش التهريب، لأن الممنوع يصبح أكثر ربحاً وأكثر طلباً.
وستفتح أبواباً واسعة لسماسرة الاستثناءات والتصاديق، وهم الطفيليات التي تزدهر دائماً في فوضى القرارات.
الآن رتبوا أنفسهم، وجهزوا حقائبهم، واستعدوا لموسم جديد من النهب المقنن.
لدينا تجارب سابقة مع ذات السياسات الفاشلة، ولم يستقر الدولار يوماً بسبب الحظر والمنع.
بل قفزت الأسعار، وانهار الجنيه، ووصل الدولار إلى أرقام صادمة لم تكن في الحسبان.
الكارثة أننا لا نتعلم من أخطائنا، بل نكرر الفشل نفسه بوجوه جديدة وخطابات جديدة.
الحكومة مطالبة بإحياء الإنتاج، وتشغيل المصانع، ودعم الزراعة، ومحاربة الفساد الحقيقي.
أما مطاردة المواطن في غذائه وأساسيات حياته، فهي وصفة مضمونة للغضب والانفجار الاجتماعي.
رئيس الوزراء بحاجة إلى من يضعه أمام الحقيقة، لا من يزين له الوهم ويصفق للقرارات الفاشلة.
السودان لا يحتمل مزيداً من التجارب المرتجلة، ولا مزيداً من القرارات القادمة من أبراج معزولة عن وجع الناس.
الشعب صابر، لكنه لن يصبر إلى الأبد على سياسات تزيد الفقر فقراً، والخراب خراباً، واليأس اتساعاً.

