مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: عنقرة ورشان أوشي.. بين وجع الفقد وفرحة النجاة

أحياناً تختصر زيارة واحدة حكاية الحياة كلها؛ دمعة على فقد، وابتسامة على نجاة، ويد تمتد للمواساة، وأخرى تصافح العافية. وفي يوم الإثنين الرابع عشر من سبتمبر 2026، وجدتني برفقة الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية السابق والمدير العام للمعابر والمنافذ الحدودية، نعبر المسافة بين حزنٍ ثقيل وفرحٍ مستحق.

كانت البداية من منزل الزميلة الصحفية القديرة رشان أوشي، حيث قصدنا أداء واجب العزاء في وفاة جدتها، المرأة التي حملت مسؤولية تربيتها بعد رحيل والدتها، فكانت لها أماً حين غابت الأم، وحاضنة حين احتاجت الطفولة إلى صدرٍ يحميها. رحم الله الأم والجدة، وجعل ما قدمتاه لرشان من رعاية وعطاء في ميزان حسناتهما.

وليس سهلاً أن تستقبل رشان عزاء جدتها، وهي التي لم تبرأ بعد من ذاكرة فقد والدتها؛ فالأحزان حين تأتي متتابعة لا تطرق الباب، وإنما تقتحمه. غير أن رشان تعرف، كما عرفها زملاؤها وقراؤها، كيف تواجه الحياة بصلابة لا تلغي الحزن، وإنما تمنعه من أن يتحول إلى هزيمة.

ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في رشان أنها لا تستسلم طويلاً للانكسار. فقد خرجت قبل وقت قريب من تجربة السجن بعد قضاء 43 يوماً بسجن النساء ببورتسودان، وها هي اليوم تواجه فقداً جديداً، لكنها تستعيد توازنها وتمضي. وكأنها اختارت أن يكون الصبر طريقتها في مواجهة ما لا تستطيع تغييره.

ومن منزل رشان أوشي، توجهنا إلى منزل الصحفي القدير الأستاذ جمال عزالدين النور عنقرة، للاطمئنان عليه بعد عودته إلى منزله، عقب رحلة مرضية قاسية أمضى خلالها أياماً بمستشفى أحمد قاسم، من بينها فترة قضاها في غرفة العناية المكثفة. وقد منّ الله عليه بالشفاء والعافية، فوجدناه بين أهله ومحبيه، يستعيد نشاطه ويواصل حديثه الجميل عن أم درمان وتاريخها ورموزها.

كان اللقاء مع عنقرة يحمل فرحة مختلفة؛ فرحة الاطمئنان على رجلٍ عاد إلى بيته بعد أن تجاوز محنة صحية، واستعاد عافيته. فزيارة المريض في المستشفى واجب، أما زيارته بعد عودته إلى منزله معافى، فهي امتنان للعافية واحتفاء بالنجاة.

وفي مجلس عنقرة وقعت مفارقة تستحق التوقف؛ فقد كان ذلك اللقاء الأول بينه وبين الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، رغم أن ياسر ظل يتابع كتاباته ويقرأ إسهاماته الإعلامية، ويحفظ بعض عباراته عن ظهر قلب. كم هو غريب وجميل أن تجمع الصحافة بين رجلين قبل أن تجمعهما المصافحة.

وما إن بدأ الأستاذ جمال حديثه حتى حضرت أم درمان بكل ثقلها التاريخي والوجداني؛ تحدث عن العاصمة الوطنية والتاريخية، عن أحيائها ورموزها وطرائفها، وعن مواقف تختزنها الذاكرة الشعبية. وكان حديثه أشبه بفتح نافذة تطل على أم درمان القديمة، يوم كانت الحكاية تحفظ في الصدور قبل أن تحفظها الكتب.

وعنقرة نفسه جزء من تلك الذاكرة؛ فهو حفيد أحد رجال الثورة المهدية الذين ارتبطوا بمقاومة الاستعمار بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي. لذلك لم يكن غريباً أن يأتي حديثه عن التاريخ مشبعاً بتفاصيل لا يملكها إلا من اقترب من الرواية العائلية والتاريخ الاجتماعي للمدينة.

وللأستاذ جمال عنقرة كذلك صلة أسرية بالفريق الركن شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة، فهو عمه، وهي واحدة من تلك الروابط التي تكشف كيف تتشابك الأسر السودانية مع مسارات السياسة والصحافة والتاريخ في شبكة اجتماعية شديدة التعقيد.

وبين العزاء والاطمئنان على المعافى، لم تكن السياسة والحياة العامة بعيدة عن مجلسنا؛ فالصحفيون، مهما حاولوا أن يتركوا الشأن العام خلف أبواب المجالس، سرعان ما يعود الوطن إلى الحديث، وكأن المهنة تسكن أصحابها ولا تغادرهم حتى في الزيارات الاجتماعية.

أما الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، فقد كشف حضوره عن خصلة أراها من أجمل ما يمكن أن يتحلى به رجل في موقعه؛ نعمة التواصل، وحسن الوفاء، والقدرة على مشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم من غير تكلف. فهو من الرجال الذين لا ينتظرون مناسبة رسمية ليكونوا حاضرين في حياة الآخرين.

في السودان، للمجاملة معنى يتجاوز الزيارة؛ إنها رسالة تقول للآخر: أنت لست وحدك. وفي زمن كثرت فيه المسافات بين الناس، تصبح زيارة أهل العزاء والاطمئنان على من اجتاز المرض فعلاً من أفعال الوفاء، لا مجرد تقليد اجتماعي تؤديه المجالس.

ثمة رابط آخر يجمع بين الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، والزميلة رشان أوشي، والأستاذ جمال عنقرة؛ ثلاثتهم من أبناء أم درمان، مولداً ونشأةً وانتماءً، ولذلك لا يجاملون في حبهم لهذه المدينة التي تسكن في وجدانهم قبل أن تكون مكاناً يسكنونه. أم درمان عندهم ليست مجرد جغرافيا، وإنما ذاكرة وهوية وطفولة وتاريخ، وكلما تحدثوا عنها بدا أن في أصواتهم شيئاً من حنين أهلها ووفاء أبنائها.

وهكذا جمعنا في يوم واحد بين رشان أوشي التي تواجه حزناً جديداً بقوة الصبر، وجمال عنقرة الذي عاد من المرض إلى دفء المنزل، وياسر الذي اختار أن يجعل من التواصل الإنساني عادة لا موسماً. ثلاث حكايات مختلفة، لكنها تلتقي عند معنى واحد: أن الإنسان يُعرف أكثر بما يفعله تجاه الآخرين حين يحتاجونه.

خرجت من ذلك اليوم وأنا أكثر يقيناً بأن الحياة لا تسير في اتجاه واحد؛ ففي بيتٍ كان الموت قد ترك مقعداً فارغاً، وفي بيتٍ آخر أعادت العافية رجلاً إلى مقعده، وبين الرحيل والشفاء كان الوفاء يعبر الطريق. بدأ يومنا بعزاءٍ على من رحلت، وانتهى بفرحة من عاد إلى بيته معافى؛ وبينهما بقيت قيمة واحدة لا تمرض ولا تموت: الوفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى