مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: مراكز القوى في الصحافة السودانية.. حين يصبح القرب من السلطان شهادة كفاءة

في بلدٍ أنهكته الحرب، وتبعثر صحفيوه بين المنافي ومناطق النزوح، وتوقفت مؤسسات إعلامية، وأصبح الوصول إلى المعلومة في بعض الأحيان مغامرة، تبدو بعض ممارسات الوسط الصحفي وكأنها آتية من زمن آخر؛ فبينما ينشغل صحفيون بتأمين أبسط شروط الاستمرار في المهنة، ينشغل آخرون بتأمين مواقعهم داخل دوائر النفوذ. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يمكن لمهنة تقوم رسالتها على كشف الأبواب المغلقة أن تسمح لبعض أبوابها بأن تصبح مغلقة في وجه أهلها؟.

ليست المشكلة في العلاقات التي تربط الصحفيين بالمسؤولين، فالعلاقة بالمصادر ضرورة مهنية، والوصول إلى أصحاب القرار جزء من صناعة الخبر. لكن الفارق كبير بين صحفي يستخدم علاقاته للوصول إلى الحقيقة، وبين علاقة تتحول إلى سلّم للصعود الشخصي.
عند النقطة التي يصبح فيها القرب من صاحب النفوذ معياراً للحضور، تتراجع قيمة المهنة لحساب شبكة العلاقات، ويصبح السؤال الأهم ليس ماذا يعرف الصحفي، وإنما من يعرف.

ومن هنا تنشأ مراكز القوى؛ لا تظهر دائماً في صورة تنظيم معلن، ولا تحتاج إلى اجتماعات سرية أو بيانات تأسيس. يكفي أن تتكرر الوجوه ذاتها في المشهد، وأن تنتقل الفرص بينها، وأن تعرف طريقها إلى كل مناسبة ومنصة ومجلس، حتى تتكون مع الأيام سلطة غير مكتوبة، لا تستمد قوتها من قانون أو تفويض، وإنما من قدرتها على صناعة القرب والتحكم في مساحات الظهور.

وفي الصحافة السودانية، التي عرفت تاريخياً صحفيين دفعوا ثمناً باهظاً بسبب مواقفهم وكلماتهم، يصبح هذا الأمر أكثر حساسية. فالمهنة لم تكن يوماً مجرد وظيفة لكسب العيش؛ كانت، في لحظات كثيرة، مساحة للدفاع عن المجتمع ومساءلة السلطة وتوثيق التحولات. ولذلك فإن اختزالها في شبكة مصالح ضيقة يهدد جوهرها قبل أن يهدد أشخاصاً بعينهم.

والمفارقة أن بعض الذين يكثرون الحديث عن استقلال الصحافة قد يتعاملون مع الاستقلال باعتباره موقفاً يصلح للمنابر، لا معياراً يحكم السلوك اليومي. فإذا كان القريب هو صاحب المصلحة، حضرت المرونة؛ وإذا كان البعيد هو صاحب السؤال، حضرت الصرامة. وهكذا يصبح المبدأ قابلاً للتعديل بحسب موقع الشخص من دائرة النفوذ، وكأن المهنية لها أكثر من نسخة، لكل مقام نسخة تناسبه.

أما الحديث باسم الصحفيين، فله قصة أخرى. فالصحفيون ليسوا قبيلة مهنية لها شيخ واحد، ولا جمهوراً ينتظر من يتحدث نيابة عنه في كل مناسبة. هم أصحاب تجارب واتجاهات ومصالح مختلفة، وتمثيلهم لا يُكتسب بكثرة الظهور ولا بكثرة الصور، وإنما بالثقة والتفويض والقدرة على الدفاع عن قضاياهم عندما تكون الكلفة أعلى من العائد.

وحين يُطرح نقد مهني حول توزيع الفرص أو التمثيل أو أداء المؤسسات، فإن الرد الطبيعي عليه ينبغي أن يكون بالوقائع والمعايير، لا بنقل المعركة إلى شخصية المنتقد أو التشكيك في دوافعه. فمن حق أي صحفي أن يسأل: كيف اتُخذ القرار؟ ومن حق الجهة المعنية أن توضح الأسس التي استندت إليها. أما إطلاق الأوصاف أو تحويل الاختلاف المهني إلى خصومة شخصية، فلا يحسم القضية بل يهرب بها من ميدان الحجة إلى ميدان التشويه. وفي المقابل، فإن نقد مراكز النفوذ لا يبرر اتهام جميع العاملين في المؤسسات أو قراءة نياتهم؛ فالعدالة المهنية تقتضي مساءلة السلوك القابل للإثبات، لا إصدار أحكام على الضمائر.

والسؤال المهني هنا بسيط لكنه ثقيل: كيف تُمنح الفرص؟ من يختار؟ ما المعايير؟ وهل هي معلنة ويمكن للجميع معرفتها، أم أن هناك اعتبارات غير مكتوبة تلعب دوراً في تحديد من يصعد إلى المنصة ومن يبقى خارجها؟ كلما كانت الإجابة واضحة، ضاقت مساحة الشك؛ وكلما غابت المعايير، اتسعت مساحة التأويل.

وفي زمن الحرب، لا يجوز أن تكون الأولوية لصراع المقاعد. الصحفي السوداني يحتاج إلى بيئة تحميه، ومؤسسات تستند إلى المهنية، ومصادر معلومات يمكن الوصول إليها، ومساحات عمل تحفظ استقلاله، وأطر مهنية تدافع عن حقوقه. هذه هي المعارك الحقيقية، أما المنافسة على الظهور وحدها فلا تنتج إعلاماً قوياً مهما بلغ أصحابها من مهارة في إدارة العلاقات.

ثم إن السلطة نفسها لا تستفيد من إعلام يكتفي بتقديم النسخة التي ترضيها. المسؤول الذي لا يسمع إلا التصفيق قد يعرف حجم شعبيته داخل القاعة، لكنه قد يجهل ما يحدث خارجها. والصحفي الذي يخشى إزعاج المسؤول يفقد أهم أدواته؛ لأن قيمة الصحافة ليست في قدرتها على الاقتراب من السلطة فقط، وإنما في قدرتها على الاحتفاظ بمسافة تسمح لها برؤية ما لا تراه السلطة.

لقد أفرزت الحرب واقعاً إعلامياً جديداً في السودان؛ صحفيون يعملون من خارج البلاد، وآخرون من مناطق النزاع والنزوح، وأصوات شابة صنعت لنفسها حضوراً خارج المؤسسات التقليدية. وهذا التحول يضع سؤالاً كبيراً أمام أصحاب النفوذ المهني: هل ستظل أبواب المشهد محكومة بالوجوه القديمة، أم ستتسع لتستوعب جيلاً جديداً فرضته الظروف وأثبت حضوره بالأداء لا بالقرب؟.

إن تجديد الصحافة لا يعني إقصاء الأجيال السابقة، كما أن احترام الخبرة لا يعني منح أحد حصانة دائمة من النقد. المهنة تحتاج إلى تراكم التجربة وإلى دماء جديدة في آن واحد. وما يحدد مكانة الصحفي في النهاية ليس عمره المهني وحده، ولا علاقاته، ولا حضوره الاجتماعي، وإنما ما يضيفه إلى المهنة وما يتركه من أثر في وعي الناس.

لذلك فإن إصلاح هذا الواقع لا يبدأ بمعركة شخصية مع أحد، وإنما بإعادة الاعتبار إلى قواعد واضحة: شفافية في الاختيار، عدالة في الفرص، احترام للتعدد، مساءلة مهنية، وعدم احتكار الحديث باسم الصحفيين. وحين تصبح المعايير معلنة، يصبح من الصعب على أي دائرة أن تحتكر المشهد، لأن الضوء الذي يكشف التفاصيل لا يترك مساحة واسعة للظلال.

وفي النهاية، لكل زمن سادته المؤقتون، ولكل سلطة حاشيتها، ولكل مقعد صف أول شاغل ينتظر غيره. أما الصحافة فليس لها سلطان دائم إلا الحقيقة. وحين تنفض المجالس، وتغيب الصور، وتصمت الهواتف، يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه العلاقات: ماذا فعلتم للمهنة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى