خليل فتحي خليل.. يكتب في ظل الرقراق: يا مليشيا الدعم السريع… كل ما بُني على وهم فهو وهم

الأوطان الحقيقية لا تسقط بسهولة، لأنها لا تقوم على السلاح وحده، بل تقوم على جذور ضاربة في عمق التاريخ والوجدان. والسودان، رغم ما يحيط به من نار الحرب والدخان، ما زال وطنًا يسكن في قلوب أهله، يتنفسونه حبًا وانتماءً وكرامة. ولذلك فإن أي محاولة لهدم هذا الوطن بالقوة المسلحة ستظل مجرد وهم كبير، لأن القوة مهما بلغت لا تستطيع أن تقتلع حب الوطن من النفوس.
لقد جاءت مليشيا الدعم السريع وهي تظن أن السلاح قادر على صناعة الهيبة وفرض الأمر الواقع، لكنها تجاهلت أن الشعوب لا تُهزم بالخوف إلى الأبد، وأن السودان ليس أرضًا بلا ذاكرة. فهذا الوطن، عبر قرون طويلة، ظل صامدًا أمام الغزاة والطامعين والانقسامات، لأنه وطن متجذر في أرواح الناس، لا يمكن أن تمحوه عربات قتالية ولا أصوات الرصاص.
القوة المسلحة قد تهدم منزلًا، وقد تحرق مدينة، وقد تنشر الرعب لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تهدم وطنًا يسكن في القلوب.
فحب الوطن ليس مبنى حتى يُقصف، وليس شارعًا حتى يُغلق، بل هو عقيدة متجذرة في الإنسان السوداني.
ومن يتأمل المشهد اليوم يرى بوضوح أن هذه المليشيا تعيش حالة تشظٍّ وانقسام داخلي خطير. فالمجموعات التي اجتمعت حول المصالح والغنائم لا يمكن أن تستمر طويلًا. لذلك بدأت الخلافات تضرب أوصالها، وبدأت الانقسامات تظهر إلى العلن، لأن المشروع الذي لا يقوم على قضية وطنية جامعة سرعان ما يأكل نفسه بنفسه.
كل ما بُني على الفوضى ينتهي بالفوضى،
وكل ما تأسس على الرعب ينتهي بالخوف من الداخل.
لقد تحولت المليشيا إلى مجموعات متفرقة لا يجمعها سوى السلاح، ومع مرور الوقت بدأت التصدعات تتسع، وظهرت صراعات النفوذ والقيادة والمكاسب، لأن من يحمل السلاح بلا مشروع وطني حقيقي يتحول في النهاية إلى عبء على نفسه وعلى من حوله.
وما يزيد المشهد قتامة تلك الأحاديث المتكررة عن تعاطي عناصر من هذه المليشيا لأنواع خطيرة من المخدرات، في محاولة للهروب من واقع الدم والخراب. والمخدرات لا تصنع مقاتلًا واعيًا، بل تصنع إنسانًا فاقدًا للبصيرة، مرتبكًا، لا يدرك معنى الوطن ولا قيمة الحياة. لذلك يصبح العنف عنده سلوكًا طبيعيًا، ويصبح الخراب فعلًا يوميًا بلا ضمير.
إن الوطن لا يبنيه من غابت عقولهم خلف المخدرات والفوضى، بل يبنيه الواعون الذين يعرفون قيمة الأرض والإنسان والتاريخ.
فالدولة تُبنى بالعقول المستنيرة، لا بالبندقية المنفلتة.
ورغم الألم الكبير الذي يعيشه السودان اليوم، فإن الحقيقة الثابتة أن هذا الوطن أكبر من المليشيات وأقوى من مشاريع الخراب. وربما تتأخر لحظة التعافي، وربما يطول النزيف، لكن السودان سيظل باقيًا لأن جذوره أعمق من أن تقتلعها الحرب.
لقد أثبت التاريخ أن كل الجماعات المسلحة التي حاولت أن تجعل من السلاح طريقًا للحكم انتهت إلى الانهيار، لأن الشعوب في النهاية تنتصر، ولأن الوطن الحقيقي لا يُهزم مهما اشتدت العواصف.
السودان سيبقى…
وسيسقط كل وهم ظن يومًا أن الرصاص أقوى من الوطن

