مقالات

خليل فتحي يكتب في نبض الناس.. حين يتحول القروب إلى ميدان للعطاء.. قروب «حال البلد» بأم روابة يكتب أجمل فصول التكافل

في زمنٍ تتكاثر فيه الأعباء، وتثقل فيه الظروف كاهل الناس، تظل المواقف الإنسانية هي الضوء الذي يكشف معدن المجتمعات وأصالة أهلها. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما بما يقدمه أبناؤها لبعضهم البعض عندما تشتد الحاجة، وبقدرتهم على الوقوف مع من يعملون في صمت من أجل خدمة الآخرين.

ومن أم روابة، تأتي صورة جميلة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، صورة عنوانها التكافل، والمبادرة، والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، جسدها أعضاء قروب «حال البلد» بأم روابة من خلال تقديم الدعم المجتمعي والعيني لعمال الكهرباء، في مبادرة إنسانية تحمل أكثر من معنى، وتؤكد أن العمل المجتمعي الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان بأن ما يخص الآخرين يعنيه أيضاً.

لم يكن المشهد مجرد تقديم دعم عيني وانتهى الأمر، بل كان حضوراً إنسانياً ومشاركة وجدانية، حيث وقف عدد من أعضاء القروب على سير العمل، وتابعوا جهود عمال الكهرباء، في رسالة واضحة مفادها أن هؤلاء العمال ليسوا وحدهم في الميدان، وأن المجتمع يرى ما يقومون به ويقدر تعبهم وجهدهم.

عمال الكهرباء.. جنود يعملون في صمت

ربما لا يشعر الكثيرون بحجم الجهد الذي يبذله عمال الكهرباء إلا عندما تنطفئ الأنوار، أو يتعطل التيار، أو تتعرض الشبكات والأعطال للمشكلات.

هناك، في الميدان، يقف العامل أمام الأسلاك والمعدات والأعطال، ويواصل عمله في ظروف قد تكون صعبة، من أجل إعادة الخدمة إلى المواطنين.

إنها مهنة تحتاج إلى الصبر والانضباط والشجاعة، وتحتاج كذلك إلى تقدير المجتمع لمن يقومون بها.

ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي قام بها قروب «حال البلد»، لأنها لم تنظر إلى العامل باعتباره مجرد موظف يؤدي واجبه، وإنما باعتباره إنساناً يحتاج إلى الدعم والتقدير والوقوف إلى جانبه.

وهذا هو جوهر العمل المجتمعي الحقيقي.

الدعم العيني.. رسالة قبل أن يكون مساعدة

الدعم العيني الذي قدمه أعضاء القروب لعمال الكهرباء يحمل قيمة كبيرة، ليس فقط بما يحتويه من احتياجات ومستلزمات، وإنما بما يحمله من رسالة معنوية.

فالإنسان عندما يجد من يسأل عنه، ويقف بجانبه، ويقدر جهده، يشعر بأن عمله محل تقدير، وأن المجتمع الذي يخدمه يبادله الوفاء.

وفي كثير من الأحيان، تكون الكلمة الطيبة، والوقفة الصادقة، والاهتمام، أكبر أثراً من أي شيء آخر.

وهذا ما يجعل مثل هذه المبادرات جديرة بالاحترام، لأنها تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

«حال البلد».. من التواصل إلى الفعل

القروبات المجتمعية في مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، لكن القيمة الحقيقية لأي قروب لا تظهر في عدد أعضائه أو كثرة المنشورات بداخله، وإنما في قدرته على الانتقال من الحديث إلى الفعل.

وهنا تكمن أهمية تجربة «حال البلد» بأم روابة.

فالقروب لم يكتفِ بمتابعة أحوال المدينة عبر النقاش وتبادل المعلومات، بل اتجه إلى مساحة أكثر أهمية، وهي المبادرة المجتمعية.

أن ترى احتياجاً فتتحرك.

أن تعرف أن هناك من يعمل في ظروف صعبة فتقف إلى جانبه.

أن تتابع سير العمل على أرض الواقع.

أن تقدم ما تستطيع.

تلك هي المعاني التي تجعل من وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لخدمة المجتمع، وليس مجرد مساحة للكلام.

الوقوف على سير العمل.. حضور يحمل معنى

وقوف عدد من أعضاء القروب على سير العمل لم يكن تفصيلاً عابراً، بل هو جزء مهم من المبادرة.

فالحضور في الميدان يعني أن أصحاب المبادرة يريدون أن يكونوا قريبين من الواقع، وأن يروا بأنفسهم طبيعة العمل والجهد المبذول.

كما أن هذا الحضور يبعث برسالة تقدير للعمال، ويمنحهم شعوراً بأن هناك من يهتم بما يقومون به.

والمجتمع يحتاج إلى مثل هذه الصور الجميلة؛ صور المواطن وهو يقف بجانب العامل، وصورة العامل وهو يجد التقدير من المجتمع، وصورة الجميع وهم يعملون من أجل هدف واحد: أن تستمر الحياة، وأن تقدم الخدمات للمواطنين رغم صعوبة الظروف.

التكافل.. روح سودانية أصيلة

السودانيون عرفوا منذ القدم قيمة الوقفة مع الآخرين.

في الأفراح نجد الناس يتسابقون للمشاركة، وفي الأتراح يتقدمون الصفوف، وفي الأزمات تظهر شهامة المجتمع وتماسكه.

ولذلك فإن مبادرة قروب «حال البلد» ليست غريبة على روح المجتمع السوداني، لكنها في الوقت نفسه مبادرة تستحق الإشادة لأنها أعادت تقديم قيمة قديمة بصورة تناسب واقع اليوم.

التكافل ليس شعاراً نرفعه، بل ممارسة.

ليس منشوراً نكتبه، بل موقفاً نعيشه.

وليس حديثاً عن المسؤولية المجتمعية، بل مسؤولية نتحملها بالفعل.

رسالة إلى أصحاب المبادرات

ما قامت به «حال البلد» يمكن أن يكون نموذجاً لمبادرات أخرى في أم روابة وغيرها من المدن.

فكل مجتمع لديه احتياجات، وكل مدينة لديها من يعملون في ظروف تحتاج إلى الدعم والتقدير.

قد تكون المبادرة تجاه عمال الكهرباء، وقد تكون تجاه عمال النظافة، أو المعلمين، أو العاملين في المؤسسات الخدمية، أو الأسر المتعففة، أو الأطفال، أو كبار السن.

المهم أن نؤمن بأن المجتمع يستطيع أن يفعل الكثير عندما تتوحد النوايا وتتحول الأفكار إلى مبادرات.

ولا يشترط أن تكون المبادرة كبيرة حتى تكون مؤثرة؛ فربما يكون الشيء البسيط الذي تقدمه في الوقت المناسب عظيماً في أثره على صاحبه.

أم روابة.. حين يتقدم المجتمع خطوة إلى الأمام

أم روابة، مثلها مثل كثير من المدن السودانية، تحتاج اليوم إلى تضافر جهود الجميع.

الحكومة، والمجتمع، والقطاعات المهنية، والشباب، والمرأة، ومنظمات المجتمع المدني، والمبادرات الشعبية، والقروبات المجتمعية.

كل هذه المكونات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تخفيف الأعباء وتعزيز روح التعاون.

وعندما نرى مبادرة مثل مبادرة «حال البلد»، فإننا نرى أم روابة التي نحبها؛ أم روابة التي تعرف معنى الوقفة، وتعرف قيمة الإنسان، وتعرف أن الأزمات مهما اشتدت فإنها لا تستطيع أن تهزم مجتمعاً متماسكاً.

شكراً لمن يبادر

شكراً لأعضاء قروب «حال البلد» بأم روابة على هذه الروح الإنسانية.

شكراً لكل من قدم دعماً، ولكل من شارك، ولكل من حضر، ولكل من وقف على سير العمل، ولكل من قال لعمال الكهرباء بصورة عملية: نحن نرى تعبكم ونقدر ما تقومون به.

وشكراً لعمال الكهرباء الذين يواصلون أداء واجبهم في صمت، بعيداً عن الأضواء، من أجل أن تصل الخدمة إلى المواطنين.

ففي نهاية المطاف، لا تبقى لنا من هذه الحياة إلا مواقفنا.

ولا يذكر الناس كثرة ما تحدثنا به، بقدر ما يذكرون وقفتنا عندما احتاجوا إلينا.

ختاماً

إن أجمل ما في مبادرة «حال البلد» أنها أعادت تذكيرنا بحقيقة بسيطة وعميقة: المجتمع القوي ليس هو الذي يخلو من المشكلات، وإنما هو المجتمع الذي يعرف كيف يقف أبناؤه إلى جانب بعضهم البعض عندما تواجههم المشكلات.

وفي أم روابة، كان المشهد أكثر من دعم عيني لعمال الكهرباء؛ كان رسالة محبة، ووفاء، وتقدير، وتأكيداً على أن الإنسان يستطيع أن يصنع فرقاً عندما يقرر أن يتحرك.

هكذا تكون المبادرات الحقيقية.

وهكذا يكون حال البلد عندما يكون الناس هم سند البلد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى