حوارات

رئيس مبادرة تجمع تحالف الكيانات الوطنية السودانية «تكوين» د. محمد عبد الله كوكو لـ«مسار برس»: السودان لا يحتاج حواراً جديداً.. بل منهجاً مختلفاً لصناعة الدولة

تجارب الحوار السابقة لم تعالج جذور الأزمة السودانية

«تكوين»: القضية ليست من يحكم السودان.. وإنما أي سودان نريد؟

الدولة أولاً.. والسلام المستدام لا يتحقق بوقف القتال وحده

حوار سوداني خالص.. بلا وصاية أو إملاءات خارجية
لا إقصاء ولا محاصصة.. المواطنة المتساوية أساس الدولة الجديدة

من الدستور إلى الاقتصاد.. أجندة واسعة لحوار بحجم الأزمة

«تكوين» تطرح حواراً متدرجاً يبدأ ببناء الثقة وينتهي بالمشروع الوطني

الحوار ليس مؤتمراً عابراً.. بل عملية وطنية مستدامة

 

حوار: هيثم موسى

يرى رئيس مبادرة تجمع تحالف الكيانات الوطنية السودانية «تكوين»، د. محمد عبد الله كوكو، أن السودان لا يحتاج إلى حوار جديد يضاف إلى سلسلة الحوارات والمؤتمرات السابقة، بقدر ما يحتاج إلى منهج مختلف للحوار ينقل العملية السياسية من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، ومن التفاوض حول السلطة إلى التوافق حول الدولة والمشروع الوطني.

ويؤكد كوكو، في حديثه لـ«مسار برس»، أن الحوار المنشود ينبغي ألا يكون صفقة بين النخب أو تفاوضاً محدوداً بين أطراف الحرب، وإنما عملية وطنية تأسيسية تشاركية تستهدف بناء توافق تاريخي حول الدولة السودانية التي يريدها السودانيون، وقواعد إدارتها، ونظام حكمها، وعقدها الاجتماعي، ومؤسساتها، واقتصادها ومستقبلها.

السودان لديه إرث طويل من الحوارات.. لكن الأزمة ما زالت قائمة

يقول كوكو إن الحوار ظل أحد الأدوات الأصيلة التي لجأ إليها السودانيون لمعالجة أزماتهم السياسية والدستورية والمجتمعية، مستشهداً بمؤتمر جوبا عام 1947م، ومؤتمر المائدة المستديرة عام 1965م، واتفاقية أديس أبابا عام 1972م، وتجارب ما بعد انتفاضة أبريل 1985م، ومؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام عام 1989م، ومؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995م، واتفاقات السلام اللاحقة، وصولاً إلى مؤتمر الحوار الوطني عام 2016م والاتفاق السياسي الإطاري عام 2022م.

ويشير إلى أن الحصيلة العامة لهذه التجارب تكشف أن أزمة السودان لم تكن في غياب الحوارات أو نقص الاتفاقات، وإنما في محدودية الشمول، وثنائية أو جزئية كثير من التسويات، وضعف التوافق الوطني، وعدم استدامة الالتزام والتنفيذ، إلى جانب استمرار الاختلالات البنيوية في بناء الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم وإدارة التنوع وتداول السلطة والثروة.

السؤال الأهم ليس «من يحكم؟» وإنما «أي سودان نريد؟»

ويؤكد رئيس «تكوين» أن السؤال المركزي للحوار لا ينبغي أن يكون فقط «من يحكم السودان؟»، وإنما «أي سودان نريد؟ وكيف نبني الدولة التي تستجيب لمصالح مواطنيها وتحمي حقوقهم وتدير اختلافاتهم وتحقق السلام والتنمية؟».

ويصف الحوار المنشود بأنه ليس صفقة بين النخب، ولا تفاوضاً محدوداً بين أطراف الحرب، ولا مؤتمراً ينتهي ببيان أو توصيات، وإنما عملية وطنية تأسيسية تشاركية تستهدف بناء توافق تاريخي حول الدولة السودانية التي يريدها السودانيون، وقواعد إدارتها ونظام حكمها وعقدها الاجتماعي ومؤسساتها واقتصادها وعلاقات مكوناتها ومستقبلها.

«الدولة أولاً».. والسلام المستدام لا يبدأ من وقف إطلاق النار وحده

ويضع كوكو مبدأ «الدولة أولاً» في مقدمة مرتكزات رؤية «تكوين»، موضحاً أن معالجة أزمة السودان تبدأ بالتوافق على مشروع الدولة وقواعدها ومؤسساتها، وليس بمجرد التنافس على من يتولى السلطة.

كما يرى أن السلام المستدام لا يتحقق فقط بوقف القتال، وإنما بمعالجة الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية التي أنتجت النزاع.

ويشدد على أن الحوار يجب أن يكون سودانيَّ القرار، بحيث تكون إدارة العملية بأيدي السودانيين، مع الاستفادة من الدعم والخبرة الإقليمية والدولية دون وصاية أو إملاء.

وتقوم الرؤية، بحسب كوكو، على الشمول وعدم الإقصاء، والمواطنة المتساوية، والتوافق بدلاً من المحاصصة، فضلاً عن ضرورة أن تكون مخرجات الحوار قابلة للتنفيذ، وتتحول إلى سياسات وتشريعات وبرامج ومؤسسات ومؤشرات ومواعيد ومسؤوليات وآليات متابعة.

من شكل الدولة إلى إعادة الإعمار.. أجندة الحوار يجب أن تكون بحجم الأزمة

ويرى كوكو أن الحوار الوطني المطلوب يجب أن يفتح جميع الملفات الأساسية التي تشكل مستقبل السودان، وفي مقدمتها شكل الدولة ونظام الحكم والدستور، والمواطنة والهوية الوطنية وإدارة التنوع، واللامركزية والفيدرالية والعلاقة بين المركز والأقاليم.

ويشمل ذلك أيضاً السلام وإنهاء الحرب ومعالجة جذور النزاعات، والعدالة الانتقالية والمصالحة وجبر الضرر، وإصلاح القوات النظامية وبناء قطاع أمني وطني ومهني، وإصلاح الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة.

كما ينبغي أن تمتد الأجندة إلى الاقتصاد وإدارة الموارد والتنمية المتوازنة، ومكافحة الفساد واسترداد المال العام، والصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكد أن الشباب والمرأة والنازحين واللاجئين والمغتربين يجب أن يكونوا جزءاً أصيلاً من العملية، إلى جانب بحث السياسة الخارجية والمصالح الوطنية العليا.

الحوار ليس مؤتمراً.. «تكوين» تطرح مساراً يبدأ بالثقة وينتهي بالمشروع الوطني

ويطرح كوكو تصوراً لحوار متدرج ومؤسسي يبدأ بالتهيئة وبناء الثقة، ثم الاستماع الوطني الواسع، يليه الحوار الموضوعي المتخصص، وإدارة نقاط الاختلاف وبناء التوافق، وصولاً إلى صياغة المشروع الوطني المشترك وإجازته وتحويله إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ والمتابعة.

ويشير إلى ضرورة إنشاء مؤسسات مستقلة ومحترفة لإدارة العملية، تشمل قيادة أو لجنة عليا للحوار، وجهازاً فنياً تنفيذياً مستقلاً، ولجاناً متخصصة للقضايا الدستورية والسياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

كما يقترح إنشاء منصة للاستماع المجتمعي تتيح للولايات والمحليات والقطاعات المهنية والشباب والمرأة والمجتمعات المتأثرة بالحرب إيصال رؤاها، إلى جانب آلية مستقلة للمتابعة والتقييم تراقب تنفيذ المخرجات وتنشر تقارير دورية عن مستوى الالتزام بها.

لا محاصصة.. ولا إقصاء.. المعيار هو المصلحة الوطنية

ويشدد رئيس «تكوين» على أن العملية الحوارية يجب أن تحكمها السودانية الكاملة، والشمول، والندية، والمواطنة المتساوية، والشفافية، والموضوعية، والاستقلالية، واحترام سيادة القانون، وإدارة الاختلاف سلمياً.

ويؤكد أن المصلحة الوطنية ينبغي أن تتقدم على المصالح الحزبية والجهوية، وأن الغاية من الحوار ليست إعادة توزيع السلطة بين القوى المتنافسة، وإنما بناء أرضية وطنية مشتركة.

المخرج ليس بياناً ختامياً.. بل مشروع دولة قابل للتنفيذ

ويؤكد كوكو أن الحوار لا ينبغي أن ينتهي إلى إعلان سياسي أو توصيات عامة، وإنما إلى حزمة تأسيسية متكاملة، تشمل وثيقة المشروع الوطني السوداني المشترك، ومبادئ دستورية متوافقاً عليها، وتصوراً لشكل الدولة ونظام الحكم.

كما تشمل إطاراً وطنياً للسلام وإنهاء الحرب ومعالجة جذور النزاع، وإطاراً للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وبرنامجاً لإصلاح مؤسسات الدولة والقطاع الأمني والخدمة المدنية.

ويضيف إلى ذلك برنامجاً اقتصادياً لإعادة البناء والتنمية، وإطاراً وطنياً لإعادة الإعمار والتعافي، وخارطة طريق للانتقال السياسي والدستوري، وآليات قانونية ومؤسسية للتنفيذ والمتابعة والتقييم.

الإضافة الحقيقية لـ«تكوين».. تغيير وظيفة الحوار نفسه

ويختصر كوكو الإضافة الجوهرية لرؤية «تكوين» في إعادة تعريف وظيفة الحوار، بحيث ينتقل من الحوار حول السلطة إلى الحوار حول الدولة، ومن التفاوض بين النخب إلى المشاركة الوطنية، ومن المحاصصة إلى الشراكة.

كما يستهدف الانتقال من إدارة نتائج الأزمة إلى معالجة جذورها، ومن الاتفاقات الجزئية إلى التوافق الوطني، ومن الحلول المؤقتة إلى بناء المؤسسات، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي.

ويرى أن الحوار يجب ألا يكون حدثاً عابراً، وإنما آلية وطنية مستدامة لإدارة الاختلاف، وإعادة بناء الثقة بين السودانيين، وتحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للتنوع والإثراء.

هل ينجح الحوار السوداني ـ السوداني؟

يجيب كوكو بأن الحوار السوداني ـ السوداني يمكن أن ينجح، ولكن ليس بأي صيغة أو بأي منهج.
ويقول إن نجاحه لا يتوقف على عقد مؤتمر جديد أو جمع أكبر عدد من القوى السياسية، وإنما على قدرته على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، ومن التفاوض على السلطة إلى التوافق على الدولة والمشروع الوطني.
ويشدد على أن الحوار ينجح إذا كان سودانيَّ القرار، جامعاً لأصحاب المصلحة الحقيقيين، قائماً على الندية والمواطنة المتساوية، ومحصناً من المحاصصة والإقصاء، ومبنياً على أجندة واضحة ومخرجات ملزمة قابلة للتنفيذ، مع آليات مستقلة للمتابعة والرقابة والمساءلة.

أما إعادة إنتاج الحوارات السابقة بالأدوات ذاتها، وبذات الأطراف، وبمنطق اقتسام السلطة وتسوية الأزمة الآنية، فيرجح ـ بحسب كوكو ـ أن تقود إلى نتائج مؤقتة قابلة للانتكاس.

«أي حوار نريد؟».. الإجابة التي تختصر رؤية «تكوين»

ويختتم كوكو بالتأكيد على أن السؤال الصحيح ليس «هل سينجح الحوار؟»، وإنما «أي حوار نريد؟».

ويقول إن الحوار إذا كان تأسيسياً واستراتيجياً، ويضع الدولة والمواطن والمصلحة الوطنية فوق المصالح السياسية، فإن فرص نجاحه ستكون كبيرة؛ لأن السودان لا تنقصه القدرة على الحوار، وإنما يحتاج إلى حوار مختلف يصنع التوافق على الدولة، ويحوّل هذا التوافق إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ.

ويختصر رئيس تجمع تحالف الكيانات الوطنية السودانية «تكوين» رؤيته في معادلة واضحة:
حوار وطني جامع ← توافق على المشروع الوطني ← عقد اجتماعي جديد ← دولة وطنية حديثة ← سلام مستدام وتنمية ونهضة.
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للحوار تكمن في أن يصبح أداة لصناعة الدولة والمستقبل، لا مجرد وسيلة لإطفاء أزمة الحاضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى