محمد صلاح ابورنات يكتب: إلى رئيس مجلس السيادة.. إنقاذ الجنيه

السيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة.
السودانيون يعلمون أن الحرب فرضت على الدولة ظروفا استثنائية وأن الاقتصاد لا يمكن أن يعمل في ظروف طبيعية بينما البلاد تخوض حربا وتواجه تدمير البنية الإنتاجية وتعطل التجارة وتراجع الموارد.
لكن الحرب لا تعني الاستسلام للانهيار الاقتصادي.
الجنيه السوداني ليس ورقة نقدية ينخفض أمام الدولار سقوطه يعني ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والوقود وتاكل رواتب العاملين وانهيار مدخرات المواطنين واتساع السوق الموازي وتحول الحياة اليومية إلى معركة جديدة على المواطن.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس معالجة مؤقتة لسعر الدولار وإنما خطة اقتصادية للحرب تدار بأعلى قدر من الانضباط والشفافية.
أولا: وقف تمويل العجز بطباعة النقود
لا يمكن مواجهة انخفاض قيمة العملة بضخ المزيد من الجنيهات دون غطاء إنتاجي أو إيرادات حقيقية. ومن أهم الإجراءات العاجلة ضبط التمويل النقدي للعجز الحكومي لأن التوسع النقدي في اقتصاد يعاني من نقص السلع والعملات الأجنبية يخلق ضغطا إضافيا على الأسعار وسعر الصرف.
صندوق النقد يشير في تجارب الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات إلى أهمية الحد من الاعتماد على تمويل البنك المركزي للإنفاق الحكومي بالتوازي مع تشديد السياسة النقدية عندما تكون الضغوط التضخمية وسعر الصرف مرتفعة.
ثانيا: توحيد سوق الصرف ومحاربة المضاربة
وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازي يخلق حافزا للمضاربة ويشجع على تهريب العملات والسلع.
المطلوب هو سياسة صرف واضحة وإتاحة النقد الأجنبي عبر قنوات مصرفية شفافة وتشديد الرقابة على عمليات غسل الأموال والمضاربة غير المشروعة مع معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين والتجار إلى اللجوء للسوق الموازي.
ثالثا: تحويل المغتربين من مصدر للدولار إلى شريك في إنقاذ الاقتصاد
السودانيين بالخارج يمثلون موردا مهما للعملة الأجنبية.
لكن لا يمكن مطالبة المغترب بتحويل أمواله عبر الجهاز المصرفي الرسمي إذا كان سيحصل على سعر أقل بكثير من السعر الذي يجده في السوق الموازي.
المطلوب حوافز حقيقية للتحويلات وسعر صرف مصرفي جاذب ورسوم منخفضة وضمانات واضحة وحسابات مخصصة للمغتربين حتى يصبح تحويل الدولار عبر البنوك أكثر فائدة وأمانا من السوق الموازي.
رابعا: إعطاء الأولوية للإنتاج والصادرات
لا يمكن إنقاذ الجنيه بالقرارات النقدية وحدها.
العملة تحتاج إلى موارد حقيقية.
السودان يمتلك الذهب والثروة الحيوانية والصمغ العربي والسمسم والحبوب وغيرها من المنتجات القابلة للتصدير. المطلوب تنظيم هذه الموارد وإدخال أكبر قدر ممكن من حصائل الصادرات إلى الجهاز المصرفي الرسمي وإيقاف التسرب عبر التهريب.
كل دولار يخرج من السودان بصورة غير قانونية هو ضغط إضافي على الجنيه. وكل دولار يدخل النظام المصرفي هو دعم للعملة الوطنية.
خامسا: مراجعة الإنفاق الحكومي بالكامل
يجب أن يكون هناك قائمة واضحة بالأولويات:
الأمن والدفاع الغذاء الدواء الوقود الكهرباء والمياه المرتبات الأساسية والإنتاج الزراعي.
أما الإنفاق غير الضروري والمصروفات الحكومية التي لا تضيف قيمة فيجب تجميدها.
الدولة التي تحمل المواطن فيها الحرب يجب أن تقدم له نموذجا واضحا في ترشيد الإنفاق العام.
سادسا: حكومة اقتصادية جديدة بمعايير مختلفة
وهنا نصل إلى النقطة السياسية التي أصبح من الصعب تجاوزها.
إذا كانت الحكومة الحالية عاجزة عن إدارة هذه الملفات فإن استمرارها بالطريقة نفسها لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة.
حان وقت مراجعة حكومة كامل إدريس بصورة شاملة وتقييم كل وزير وفق مؤشرات أداء حقيقية وليس وفق التوازنات السياسية.
المطلوب حكومة حرب ذات كفاءة اقتصادية وإدارية تضم خبراء قادرين على اتخاذ قرارات صعبة وتعمل بأهداف محددة ومواعيد زمنية معلنة.
ولا ينبغي أن يكون تغيير الحكومة هدفا في حد ذاته الهدف هو تغيير الأداء وإنقاذ الاقتصاد.
سابعا: إنشاء غرفة اقتصادية للطوارئ
السودان يحتاج إلى غرفة اقتصادية تعمل بصورة يومية وتضم وزارة المالية وبنك السودان والجهات المختصة بالتجارة والإنتاج والصادرات والأمن الاقتصادي.
تتابع الغرفة يوميا:
* سعر الصرف الرسمي والموازي.
* حجم السيولة.
* حركة الذهب والصادرات.
* احتياطي النقد الأجنبي.
* أسعار السلع الأساسية.
* التحويلات الخارجية.
* الإنفاق الحكومي.
* الإيرادات.
* حركة الاستيراد والتهريب.
ويجب أن تكون القرارات مبنية على أرقام حقيقية لا على الانطباعات.
السيد الرئيس..
نعلم انك تعلم ان هذه الحرب لا تحسم بالبندقية وحدها.
هناك معركة أخرى تجري في السوق وفي قيمة العملة وفي قدرة المواطن على شراء الخبز والدواء وفي قدرة الدولة على دفع رواتب جنودها وموظفيها.
والشعب السوداني الذي وقف مع القوات المسلحة في معركة الدفاع عن الدولة يريد أن يرى الدولة تقف معه في معركة معاشه واقتصاده.
المطلوب الان قرار شجاع مراجعة الحكومة تغيير من يثبت فشله اختيار أصحاب الكفاءة ووضع برنامج اقتصادي طارئ له أهداف قابلة للقياس.
لا أحد يطلب معجزة ولا يمكن إنهاء اثار الحرب بقرار واحد.
لكن يمكن وقف الفوضى الاقتصادية إذا توفرت الإرادة السياسية والانضباط المالي والسياسة النقدية الرشيدة وإدارة محترفة لموارد الدولة.
السودانيون يريدون دولة قوية في الميدان وقوية أيضا في السوق والبنك والميناء والمزرعة.
والمرحلة الان تحتاج إلى قرارات بحجم الأزمة.
حان وقت إنقاذ الجنيه.. وحان وقت مراجعة حكومة كامل إدريس

