من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: قرارات منتصف الليل!

بعض القرارات تأتي في توقيت يجعلها أكثر وقعًا من مضمونها، تمامًا كما حدث مع قرار إعفاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الذي صدر عند منتصف الليل، بعد ساعات فقط من ظهوره في ورشة عمل خاطبها بصفته وزيرًا.
المشهد أثار الدهشة، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسالة مفادها أن رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، لا يريد أن يترك الملفات الحساسة رهينة للمجاملات أو انتظار الوقت المناسب. فالقرار، مهما اختلفت حوله الآراء، لا يمكن النظر إليه باعتباره وليد لحظة، وإنما يُفترض أنه جاء بعد مراجعات وتقييم وتمحيص لمسيرة الوزير وأدائه، خاصة بعد القرارات التي اتخذها داخل مؤسسات الحج والعمرة، والتي شملت إعفاء ثلاثة قيادات وتجميد الرابع.
الأصل في مثل هذه القرارات أنها لا تُصنع على عجل، بل تمر عبر منصات للدراسة والتقييم والتمحيص، ولهذا فإن احترام قرار رئيس الوزراء يبدأ من احترام مسؤوليته في اختيار فريق حكومته ومحاسبة أعضائه متى رأى أن المرحلة تستوجب ذلك.
حكومة الأمل تقف اليوم أمام تحديات استثنائية، ولذلك فإن معيار البقاء في المنصب يجب ألا يكون الاسم أو المنصب، وإنما القدرة على مواكبة المرحلة. فهناك وزراء ليس بالضرورة أنهم يفتقرون إلى الكفاءة، لكن الواقع الحالي تجاوز أدواتهم، وأصبحت المسافة بينهم وبين متطلبات هذه المرحلة واسعة، وهو ما أوجد فراغًا انعكس في شكل نشاز داخل الأداء الحكومي، بينما تحتاج البلاد إلى فريق يعمل بتناغم كامل، كأوركسترا لا يعلو فيها صوت على اللحن العام.
إن قرارات التصحيح، مهما كانت قاسية، تظل أفضل من الإبقاء على حالة الجمود، فالمرحلة لا تحتمل المسؤول الذي يكتفي بإدارة اليوم بيومه، وإنما تحتاج إلى من يملك الرؤية، وسرعة القرار، والقدرة على التعامل مع الملفات المعقدة بكفاءة ومسؤولية.
ولهذا فإن من يخلف أي وزير يجب أن يكون نتاج عملية اختيار دقيقة، تعتمد على الخبرة والكفاءة والنزاهة، لا على المحاصصات أو العلاقات. فالملفات الحيوية لا تُدار بالتجريب، ولا تتحمل المجازفة، بل تحتاج إلى رجال ونساء أثبتوا قدرتهم على الإنجاز قبل أن يتولوا المسؤولية.
إني من منصتي أنظر… حيث أرى… أن قرارات منتصف الليل ينبغي ألا تكون مجرد عناوين مثيرة، وإنما مؤشرات على أن عجلة المراجعة لا تتوقف، وأن الأداء الحكومي يخضع للتقييم المستمر. أما الأهم من القرار نفسه، فهو أن تكون عملية الاختيار أكثر دقة، حتى لا يصبح الليل في كل مرة شاهدًا على نهاية مسؤول، بدلًا من أن يكون بداية مرحلة أكثر نجاحًا وكفاءة.

