مقالات

الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: إِنِّي أَرَى فِي النُّورِ أَشْبَاحَ الظَّلَامِ فَهَلْ أَنْتَ.. أَنْتَ مَعِي؟

في مشهد الحرب السودانية، يظن كثيرون أن النهاية ستكون عند تحرير آخر شبر من الأرض من مليشيات الدعم السريع، لكن الحقيقة أن ما يرونه ليس إلا ربع الحقيقة، أما باقي الحقيقة فسيأتي حين تتوقف المدافع وتنطلق حرب طرح الأسئلة القاسية على كل من كان في موقع مسؤولية منذ سقوط نظام الإنقاذ وحتى نهاية هذه الحرب.

تغير شعب السودان تغيراً جذرياً، فما قبل 15 أبريل 2023 ليس كما بعده، ذلك الشعب الذي كان يعيش في سلام نسبي يختلف عن هذا الشعب الذي فقد الآلاف ودمرت بيوته وسحقت مصانعه ونهبت ممتلكاته، خاصة في ولاية الخرطوم. هذا الشعب الجديد لن يصمت بعد الحرب، ولن يرضى بطي الماضي، ولن يمرر لمن خانه أي اعتذار أو تبرير.

ما يقلق حقاً هو أن الحكومة الحالية لم تعمل على وضع برامج تعويضات حقيقية ومجدية للشعب، والتعويض ليس مجرد أموال تدفع، بل هو اعتراف بالخطأ، وتقدير للألم، وإعادة بناء للثقة المهدومة بين المواطن والدولة. التأخير في هذا الملف سيكون كارثة أخرى بعد كارثة الحرب، وكل يوم يمر دون برنامج واضح للتعويضات هو يوم يضاف إلى سجل الإهمال.

الأكثر خطورة من ذلك هو النسيج الاجتماعي الذي تمزق في ولاية الخرطوم تحديداً وفي سائر المناطق المتأثرة، فسكان الخرطوم لن يكون بينهم تسامح تلقائي، لأن الخرطوم خليط من كل أنحاء السودان وتحتاج لعقول تفكر بعمق في طرح التوافق الاجتماعي. هناك من تعاونوا مع الدعم السريع، ومن ساهموا في قتل الجيران وسرقة ممتلكاتهم، ومن صمتوا، ومن وقفوا مع المظلوم وآووا النازحين. هذا المزيج من المواقف المتباينة سينفجر حتماً حين يعود النازحون والمهاجرون إلى منازلهم المدمرة، وقتها إما أن يكون قمع وهذه ستكون كارثة أكبر، أو تكون دولة قانون تقتص من كل من تهاون وتلاعب بالشعب.

إن في النور ترى أشباح الظلام، وكأن أصوات ملايين السودانيين الذين سيتوجهون إلى المحاكم ببلاغاتهم تسمع، ويتوقع أن تصل إلى القضاء السوداني أكثر من سبعة ملايين بلاغ من أفراد الشعب ضد مسؤولين سابقين وبعض ممن هم في السلطة حالياً. لن ينسى الناس، ولن يتسامحوا مع من صمت أو ساهم في خدمة الدعم السريع على حساب أرواح السودانيين وممتلكاتهم.

نطالب بتفعيل دولة القانون بأسرع وقت، وإعادة المحكمة الدستورية للحياة والعمل، ومنح القضاء حرية كاملة وعدم التدخل من أي جهة في أعمال القضاء، لأن حرية القضاء هي أساس دولة القانون، وقد اقترب الموعد الحق. ستأتي دور المحاكم السودانية التي ستكون في اختبار تاريخي لم تشهد له السودان مثيلاً، وسيواجه القضاة ضغوطاً هائلة، وسيكون الحكم في قضايا المظالم الشعبية مقياساً لعدالة الدولة الجديدة. من يظن أن الشعب قد ينسى فهو متوهم، ومن يعتقد أن الاعتذار سيمرر الأمور فهو واهم، فالشعب اليوم يعي حقوقه أكثر من أي وقت مضى.

هذا المقال هو تنبيه ورؤية ترى في نور الحقيقة، وكل المؤشرات تفيد بما هو آت، فالمتوقع من خلال حقيقة ما يدور في أرض الواقع أن تظهر أشباح الظلام التي ستخرج من تحت الرماد فور توقف الحرب. إننا نريد أن يعم السلام، وأن تقدم تعويضات حقيقية لكل من وقع عليه الضرر، وأن تعاد المحاسبة لمن كان سبباً في هذا الدمار أو سكت عنه. السلام الحقيقي لا يقوم على النسيان، بل يقوم على العدالة والاعتراف والجبر. رحم الله الدكتور على قاقارين، فقد كان هو وشخص آخر أول من وضع تصور لتعويضات تمنح للشعب لتشفى قليل من الجراح.

أما وقد بلغت الرسالة، فاللهم فاشهد على ما كتبت، اللهم اجعل هذا التنبيه سبباً في إصلاح ما فسد، وإعادة بناء ما تهدم، وتوحيد الصفوف على كلمة سواء، تسودها العدالة، وتُحفظ فيها الحقوق، وتُبنى فيها سودان جديدة من رماد الحرب، سودان يسودها السلام الحقيقي، سلام يقوم على المحاسبة والجبر، لا على النسيان والتجاوز. فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري إلى الله ان الله بصير بالعباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى