مقالات

حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: يوم في وسط الخرطوم

(١)

لا شك أن الكثيرين منا قد سمعوا المقولة الرائجة: «ممسكين بالقديمة»، فهي في أحسن معانيها تشير للإنسان الذي كان له ماضٍ مشرف وحاضر بائس، فأصبح يعيش على الصورة القديمة.

فالذين يقولون: اجعل من حاضرك رصيدًا لمستقبلك، لا يعنون الاكتناز المادي فقط، فالأمر قد يشمل غير المحسوسات. حاضرك هو مخزن ذكرياتك.

طبعًا أكثر الناس استهلاكًا لتلك المقولة هم الرجال، فعندما يصيبهم العجز أو الفلس، فيعبرون عن فداحة الفقد بالقول: «والله ماسكننا بالقديمة»، وفي هذا إشارة خفية إلى أن لهم ماضيًا مشرفًا.
لقد طفرت هذه المقولة إلى ذهني وأنا أتحول في وسط الخرطوم يوم الاثنين الثالث من أغسطس الجاري، الذي أمضيت سحابه هناك.
فبدا لي أن كل الناس الذين رأيتهم جالسين في أو أمام محلاتهم التجارية، أكثر من الذين يسيرون في الطرقات مثل حالتي، إنهم يحدقون في ماضيهم أكثر من أنهم يرنوون للمستقبل، بمعنى أنهم ماسكين هذه المحلات بالقديمة، أي بما أعطته سابقًا وليس بما تقدمه الآن.

وأسأل الله أن يكون ما وصلت إليه غير صائب، ليكون النظر إلى ماضيهم سندًا لتحمل قساوة الحاضر، في انتظار مستقبل أفضل يرونه قريبًا.

(٢)
تحاومت في المنطقة التي تقع بين شارع علي عبد اللطيف غربًا إلى شارع القصر شمالًا، وبين شارع الجمهورية شمالًا إلى السكة حديد جنوبًا، ولكن أمضيت معظم الوقت في شارع الحرية، وهو الشارع الوحيد الذي تكاد تكون معظم محلاته مفتوحة، لأنه مختص بالأدوات الكهربائية لحاجة الناس العاجلة لها.

ومع ذلك ليست هناك حركة بيع نشطة، وقد علمت أن بعض الشركات التي تملك مصانع الثلاجات والمكيفات تقوم بصيانة المحلات، مقابل وضع منتجاتهم فيها.

السؤال الوحيد الذي كانت إجابته متفقًا عليها بنسبة المية هو: ماذا تريدون من الحكومة أن تفعل لكم الآن؟
كانت الإجابة هي الكهرباء، وبعضهم أضاف الماء، لكن قيل له إن الماء فرع من الكهرباء، فهذه من تلك.

هناك شبه إجماع على الشكوى من «ناس المحلية»، ولكن من المتفق عليه أن عربة النفايات لم تنقطع عن شارع الحرية، بيد أن أحد الخبثاء أضاف: «لأنه ما في غيره».

السيد ميرغني الحسن «صاقعة النجم»، والذي أصر على تناول قراصة التقلية والرائب معه، دون سابق معرفة خاصة، قال إن الناس ستظل تعمل بربع مكنة مهما توفرت المطلوبات اللوجستية، اللهم إلا إذا تحقق السلام الشامل في كل ربوع البلاد.
إن الأمن من الحرب ومخاوفها هو السبيل الوحيد لعودة الخرطوم إلى ما كانت عليه.

(٣)
خرجت من شارع الحرية إلى ميدان جاكسون، حيث إن عدد العربات لا يناسب إطلاقًا مع عدد البشر.

زحمة الناس في سوق مسيد ود عيسى أضعاف ما عليه في ذلك الميدان، والذي كان قبل الحرب: «أكان رميت حبة عيش تقع ليها في راس زول».

ومن جاكسون بعربية شريحة إلى صينية المركزي، «بالشوارع الغر» المسفلتة الخالية من الزحمة، والسيارة منطلقة بنمرة خمسة.
غايتو يا جماعة الخير، لو الخرطوم دي كانت في حالة معافاة، وشوارعها بهذه الروعة، لكانت أجمل وأنظف مدينة في الدنيا.
لكن يا خسارة، إنها الآن شوارع مثل أكل المستشفى، نظيف ولكن النفس تعافه.

في صينية المركزي، سوف يتضح لك بسهولة أن حركة الخرطوم الحالية ترجع إلى أنها الرابط بين مدن السودان المختلفة، إنها محطة تبادلية بلغة المترو.

سنة يا القاهرة… «يضوقنا الما يشوقنا»….
ومع كل الذي تقدم، فليكن دعاؤنا:
اللهم أنعم علينا بخرطوم خير من خرطومنا التي كانت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى