خبير النزاعات الدولية وعضو فريق حقوق الإنسان الدولي بمنظمة العفو الدولية د. فارس الحداد لـ(مسار برس): التسوية السياسية الشاملة هي المخرج الوحيد للحرب في السودان
جذور الحرب السودانية نتاج تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة

الأوضاع الإنسانية في السودان تجاوزت الخط الأحمر
الحداد: الحل العسكري يوسع دائرة الأزمة ويزيد من معاناة المدنيين
العدالة الانتقالية ضرورة لتحقيق المصالحة الوطنية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات
الشباب والمرأة شريكان أساسيان في صناعة السلام وإعادة بناء الدولة
التدخلات الخارجية تسهم في إطالة أمد الحروب وتأجيج الصراعات
في ظل استمرار الحرب السودانية وتداعياتها السياسية والإنسانية المتفاقمة، تبرز تساؤلات عديدة حول جذور الأزمة وآفاق الحل ومستقبل الدولة السودانية بعد انتهاء النزاع. وفي حوار خاص مع صحيفة «مسار برس»، يتحدث الدكتور فارس قائد الحداد، الخبير الدولي في قضايا السلام والأزمات والنزاعات الدولية، وعضو فريق حقوق الإنسان الدولي بمنظمة العفو الدولية، والصحفي والحقوقي اليمني، عن رؤيته لأسباب الحرب السودانية، وتقييمه للأوضاع الإنسانية الراهنة، وإمكانيات الحل السياسي، ودور المنظمات الدولية والإقليمية، فضلاً عن رؤيته لمستقبل السودان واليمن، وأهمية العدالة الانتقالية، ودور الشباب والمرأة في صناعة السلام وبناء المجتمعات بعد النزاعات.
حوار: هيثم موسى
كيف تنظرون إلى جذور الحرب في السودان؟
أهلاً وسهلاً بكم أسرة صحيفة «مسار برس»، وشكراً لكم على هذا اللقاء. بالنسبة للإجابة عن سؤالك، يمكن القول إن جذور الحرب في السودان بدأت منذ فترات طويلة من النزاعات والاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مروراً بالنزاع المسلح في دارفور مع القوات المسلحة السودانية، الذي استمر لسنوات وشكل إحدى البدايات التي قادت إلى الحرب الحالية. وعلى الرغم من الاتفاقات التي أبرمت بشأن دارفور، فإن النزاع لم يُحسم بصورة نهائية، الأمر الذي أسهم في توسيع دائرة الاحتقان داخل الشارع السوداني ضد نظام الرئيس عمر البشير، نتيجة الفشل السياسي داخل بنية النظام والقوى السياسية الحاكمة في احتواء الأحداث وغياب الحكمة واللجوء إلى العنف والقوة العسكرية.
ومع الثورة السودانية وسقوط النظام السابق، كان السودانيون يأملون في تغيير يقود البلاد نحو الأفضل، إلا أن تلك الآمال تحولت إلى خيبة أمل بسبب الخلافات السياسية والعسكرية حول إدارة الدولة. ومع تصاعد الانقسام بين القوى السياسية والعسكرية تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية. وطالبت القوى الشبابية بحكومة مدنية، لكن الخلافات بين الأطراف المختلفة دفعت الجيش إلى التدخل وتشكيل مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
لاحقاً تحركت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» في مواجهة القوات المسلحة، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الحرب الكارثية، ولكن هذه المرة في عمق السودان وليس في دارفور فقط. ومن هنا يمكن فهم السياقات المختلفة التي شكلت جذور الحرب الحالية في السودان.
وهل الأزمة عسكرية فقط أم أنها نتاج تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية طويلة؟
بكل تأكيد، فإن القراءة العميقة للأزمة السودانية تكشف أنها ليست أزمة عسكرية فحسب، بل هي نتاج لتراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية طويلة ومعقدة. فالشأن السوداني مليء بالتناقضات والتحديات التي لازمته منذ الاستقلال دون إحداث تحولات جذرية حقيقية لمعالجتها.
وعلى الرغم من أن السودان نال استقلاله مبكراً في أفريقيا وأسس نظاماً جمهورياً برلمانياً ديمقراطياً، فإن التجربة لم تنجح في تحقيق الاستقرار لأسباب عديدة، من بينها ضعف مؤسسات الدولة المدنية، والانقلابات العسكرية المتكررة، وغياب الرؤية السياسية الواضحة لنظام الحكم.
كما أن سيطرة التيارات الإسلامية على الحكم لفترات طويلة لم تقترن برؤية سياسية تستوعب جميع المكونات السودانية، بقدر ما ارتبطت بممارسات الإقصاء السياسي، وهو ما عمق حالة الانقسام والصراع.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد أخفقت الحكومات المتعاقبة في بناء دولة وطنية حديثة تقوم على العدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي والعرقي والمواطنة المتساوية، الأمر الذي أسهم في إضعاف النسيج الوطني.
وعلى المستوى الاقتصادي، أدت معدلات الفقر والبطالة المرتفعة وغياب الإصلاحات الاقتصادية الفاعلة إلى تراجع الآمال في تحويل السودان إلى قوة اقتصادية وغذائية كبرى، رغم ما يمتلكه من إمكانات وموارد كبيرة.
ما هو السيناريو الأقرب لإنهاء الحرب السودانية؟
الحلول السلمية تمثل الخيار الأنسب والأكثر واقعية لإنهاء الأزمة السودانية، لأنها تتيح معالجة جذور المشكلة وتفتح الباب أمام استقرار مستدام.
وهل الحل العسكري ممكن أم أن التسوية السياسية الشاملة هي المخرج الوحيد؟
التسوية السياسية الشاملة هي المخرج الأكثر نجاحاً، لأنها تجمع الأطراف السودانية كافة حول رؤية مشتركة عبر جهود وساطة فاعلة تفضي إلى اتفاقات ملزمة. أما الحل العسكري، فحتى إن حقق مكاسب ميدانية لطرف ما، فإنه لن يكون حلاً كاملاً، بل قد يوسع دائرة الأزمة ويزيد من تداعياتها الكارثية.
كيف تقيّمون الأوضاع الإنسانية في السودان حالياً؟
الأوضاع الإنسانية مقلقة للغاية، وقد تجاوزت الخط الأحمر نتيجة موجات النزوح الواسعة وانتشار الجوع والفقر وتدهور الخدمات الأساسية. ويعاني ملايين السودانيين من نقص الغذاء والدواء ومياه الشرب، فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين. لذلك فإن الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً من الأسرة العربية والأفريقية والمجتمع الدولي لإنقاذ الوضع الإنساني.
وما حجم تأثير الحرب على المدنيين والبنية الاجتماعية والخدمات الأساسية؟
خلفت الحرب آثاراً مدمرة على حياة المدنيين، حيث سقط آلاف الضحايا ونزح الملايين داخل السودان وخارجه. كما تسببت في تدمير واسع للبنية التحتية وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات والخدمات الأساسية.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات الدولية والإقليمية في إنهاء الأزمة السودانية؟
في الحقيقة، لا يمكن التعويل كثيراً على المنظمات الدولية والإقليمية في إنهاء الأزمة السودانية، بالنظر إلى محدودية النتائج التي تحققت خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، يمكن لجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي أن يؤديا دوراً أكثر فاعلية من خلال مبادرات جادة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.
كيف تنظرون إلى الانتهاكات المرتبطة بالحرب؟ وكيف يمكن ضمان المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب؟
ملف حقوق الإنسان مقلق للغاية، حيث تورطت أطراف النزاع في ارتكاب انتهاكات وجرائم خطيرة بحق المدنيين. ويتحمل المتورطون فيها كامل المسؤولية القانونية، ويجب تقديمهم إلى العدالة. كما أن هناك آليات قانونية دولية قادرة على ضمان عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة.
بصفتكم عضواً بفريق حقوق الإنسان الدولي المرتبط بمنظمة العفو الدولية.. ما طبيعة دوركم في النزاعات والأزمات الدولية؟
لعبنا دوراً في إعداد وصياغة مبادرات سلام لعدد من الأزمات والنزاعات الدولية في المنطقة العربية وأفريقيا، بما في ذلك الأزمة الليبية وأزمة الصحراء الغربية والأزمة الروسية الأوكرانية. كما أننا على استعداد لتقديم مبادرة أو خارطة طريق عادلة للمساهمة في إنهاء الأزمة السودانية إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.
ما رؤيتكم لمستقبل السودان بعد الحرب؟ وكيف يمكن إعادة بناء الدولة ومؤسساتها؟
أرى أن مستقبل السودان واعد، وأن البلاد قادرة على استعادة الاستقرار والنهوض مجدداً عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال قيادة جديدة وحكومة قادرة على إدارة مرحلة البناء وتحقيق التنمية والاستقرار.
كيف تقيّمون المشهد الحالي للحرب في اليمن؟ وهل اقتربت الأزمة اليمنية من الحل؟
الحرب في اليمن ما زالت معقدة ولم تنتهِ بعد، كما أن الأوضاع تبقى قابلة للانفجار في أي لحظة. وحتى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية قوية توحي بقرب التوصل إلى حل شامل للأزمة.
ما طبيعة دوركم في الحرب الدائرة في اليمن؟ وهل شاركتم في مبادرات سلام أو جهود إنسانية وحقوقية هناك؟
شاركنا في عدد من الجهود الإنسانية والحقوقية المرتبطة بالشأن اليمني، وسنواصل العمل مع مختلف الأطراف من أجل دعم جهود السلام وتعزيز فرص الحلول السلمية.
ما رسالتكم للشعوب التي تعيش ويلات الحروب والنزاعات؟
رسالتي أن القوة الحقيقية تكمن في البناء والنهوض من تحت الركام، وأن الأمل يظل قائماً مهما كانت التحديات والصعوبات.
وكيف يمكن ترسيخ ثقافة السلام والتعايش؟
يمكن ترسيخ ثقافة السلام والتعايش من خلال حكومة تعمل لصالح جميع المواطنين عبر برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية موحدة تعزز قيم المواطنة والانتماء الوطني، وتدعم ثقافة الحوار والتسامح.
كيف تؤثر التدخلات الخارجية على مسار الحروب في السودان واليمن والمنطقة العربية؟
التدخلات الخارجية غالباً ما تكون عاملاً سلبياً يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات وتأجيجها، من خلال دعم أطراف النزاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ما تقييمكم لدور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أثناء النزاعات؟ وهل أصبحت أداة لنقل الحقيقة أم لتأجيج الصراع؟
للأسف، انقسمت كثير من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وفق مصالح أطراف النزاعات، وأصبحت في كثير من الأحيان أدوات لتغذية الصراع ونشر الفتن بدلاً من الالتزام بالحياد والموضوعية والمهنية.
ما أهمية العدالة الانتقالية في مرحلة ما بعد الحرب؟ وكيف يمكن تحقيق المصالحة الوطنية؟
العدالة الانتقالية تمثل ضمانة أساسية للمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحماية حقوق الضحايا. أما المصالحة الوطنية، فلا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حوار شامل يضم جميع مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك الشباب والمرأة والقوى السياسية والمدنية.
كيف تنظرون إلى دور الشباب والمرأة في صناعة السلام وبناء المجتمعات بعد النزاعات؟
للشباب والمرأة دور تاريخي ومهم في صناعة السلام، وقد أثبتت التجارب في مختلف أنحاء العالم أهمية مشاركتهما في بناء المجتمعات وإعادة الاستقرار بعد النزاعات.
هل تعتقدون أن الاقتصاد والموارد الطبيعية أصبحا من أبرز أسباب الحروب الحديثة؟
الاقتصاد والموارد الطبيعية ليسا وحدهما سبب الحروب الحديثة، فهناك عوامل سياسية وأمنية وتكنولوجية عديدة تسهم في إشعال الصراعات. كما أن التطور التكنولوجي المتسارع أصبح عاملاً مؤثراً في طبيعة الحروب الحديثة.
ما أبرز الأخطاء التي تقع فيها الحكومات أثناء إدارة الأزمات والنزاعات المسلحة؟
من أبرز الأخطاء غياب برامج إدارة الأزمات بصورة فعالة، وضعف الرؤية الاستراتيجية القادرة على التعامل مع التحديات المعقدة التي تفرضها النزاعات.
كيف يمكن حماية الهوية الوطنية ومنع الانقسام المجتمعي خلال الحروب؟
يمكن حماية الهوية الوطنية عبر سياسات وخطط وطنية موحدة تعزز قيم المواطنة والانتماء، وتعمل على البناء والتوحيد لا الهدم والتقسيم، سواء في أوقات الحرب أو السلم.

