مقالات

دكتور محمد إحسان يكتب: درس بغداد المرير ومغامرة واشنطن الخطرة في إيران

في مارس 2003، غزت الولايات المتحدة العراق متفوقةً عليه عسكرياً بفارق هائل، وبعزم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وخلال أسابيع، انهار نظام صدام حسين، وبدا أن واشنطن قد انتصرت. فقد بدت الإطاحة بديكتاتور مستبد تأكيداً لقدرة الولايات المتحدة على تغيير الدول المعادية باستخدام القوة. لكن ما أعقب ذلك أصبح أحد أكثر الأخطاء الاستراتيجية تأثيراً في التاريخ الأمريكي الحديث. وبعد أكثر من عقدين، وفي وقت تواجه فيه واشنطن إيران في صراع قد يُحدث تحولات كبرى، يظل درس بغداد حاضراً بمرارة: فالإطاحة بحكومة شيء، والتحكم في ما يأتي بعدها شيء آخر.

كان نظام صدام حسين الديكتاتوري مسؤولاً عن قمع واسع النطاق، وإعدامات سياسية، وحروب مدمرة. وقد رحّب كثير من العراقيين، لأسباب مفهومة، بسقوطه، آملين أن تجلب لهم الإطاحة به الحرية والاستقرار والازدهار. لكن إسقاط صدام لم يؤدِّ تلقائياً إلى إقامة الديمقراطية أو تحقيق المصالحة الوطنية. بل إن تفكيك مؤسسات الدولة، وحل الجيش العراقي، وإقصاء أعداد كبيرة من المسؤولين السابقين، أسهمت في نشوء فراغ أمني استغلته جماعات التمرد والفصائل الطائفية والقوى الأجنبية.

استعدت واشنطن للفوز بالحرب، لكنها لم تستعد بما يكفي للتعامل مع تداعياتها. وما أعقب ذلك كان سنوات من التمرد والعنف الطائفي وعدم الاستقرار السياسي. ولقي نحو 4500 من أفراد القوات الأمريكية مصرعهم خلال الصراع في العراق، وأُصيب آلاف آخرون، فيما عانى المجتمع العراقي معاناة أكبر بكثير. وبلغت الكلفة المالية تريليونات الدولارات، وفقاً للتكاليف طويلة الأجل التي تشملها التقديرات. وبالنسبة إلى دافعي الضرائب الأمريكيين، لم تمثل الحرب التزاماً مالياً هائلاً فحسب، بل انطوت أيضاً على كلفة الفرص البديلة، إذ استنزفت موارد كان من الممكن توجيهها إلى الأولويات الداخلية والتحديات الاستراتيجية الأخرى.

غير أن الكلفة الأشد تأثيراً كانت جيوسياسية. فبإسقاط صدام، أزالت واشنطن أحد أبرز الخصوم الإقليميين لإيران. وكان العراق وإيران قد خاضا حرباً مدمرة بين عامي 1980 و1988، خلّفت خسائر بشرية هائلة لدى الطرفين ومظالم تاريخية عميقة. وقد مثّلت حكومة صدام ثقلاً موازناً مهماً لطهران. ومع انهيار نظامه، أتيحت لإيران فرص لتوسيع نفوذها من خلال الأحزاب السياسية العراقية، والعلاقات الاقتصادية، والروابط مع الجماعات المسلحة.

وهذه هي المفارقة الأساسية في حرب العراق: أن الولايات المتحدة أنفقت موارد هائلة لهزيمة نظام معادٍ، لكنها هيأت ظروفاً عززت قوة خصم آخر. فقد أرادت واشنطن إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بما يخدم مصالحها، إلا أن تداعيات تدخلها أسهمت في توسيع النفوذ الإيراني. ولم يتحول العراق إلى دولة تابعة لإيران، لكن طهران اكتسبت فرصاً استراتيجية أكبر مما كانت تتمتع به في عهد صدام.

وكشف الصعود اللاحق لتنظيم الدولة الإسلامية مزيداً من تداعيات عدم الاستقرار في العراق. فقد استغل التنظيم المظالم السياسية والإخفاقات الأمنية والحرب الأهلية السورية، وتمكن عام 2014 من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وعلى الرغم من أنه لا يمكن عزو نشأة التنظيم إلى الغزو الأمريكي وحده، فإن تدمير مؤسسات الدولة العراقية والإخفاقات التي أعقبت ذلك أسهما في تهيئة البيئة التي ازدهر فيها. واضطرت الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى العودة إلى العراق لخوض حرب جديدة ضد تنظيم متطرف نشأ في خضم الفوضى التي أعقبت التدخل السابق.

شكّلت هذه التجربة تحدياً جوهرياً لافتراضات واشنطن بشأن القوة العسكرية. فقد أظهرت حرب العراق أن هزيمة جيش والإطاحة بزعيم لا تعادلان بناء نظام سياسي مستقر. واستطاعت القوات الأمريكية الانتصار في المعارك، وتدمير أهداف، وفرض السيطرة العسكرية، لكنها لم تستطع ضمان الشرعية السياسية، أو التوفيق بين الفصائل المتنافسة، أو التحكم في كيفية استجابة القوى الإقليمية. وثبت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النتيجة الاستراتيجية التي توقعتها واشنطن.

وساعدت هذه التجربة على جعل صانعي السياسات الأمريكيين أكثر حذراً إزاء الاحتلالات طويلة الأمد ومشروعات بناء الدول الطموحة. ولم تؤدِّ إلى استبعاد استخدام القوة من السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها رفعت الكلفة السياسية والاستراتيجية للسعي إلى تغيير الأنظمة. وأصبح من الصعب تجاهل السؤال المحوري: حتى لو استطاعت الولايات المتحدة الإطاحة بحكومة معادية، فهل سيجعل ذلك أمريكا وحلفاءها أكثر أمناً مما كانوا عليه من قبل؟.

يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في المواجهة مع إيران. فإيران ليست العراق. إذ يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، وتمتلك قاعدة صناعية وعلمية كبيرة، ومؤسسات دولة راسخة الجذور، وتضاريس وعرة، وشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية، ما يجعلها تحدياً أكثر تعقيداً بكثير. كما أن موقعها الاستراتيجي بالقرب من مضيق هرمز يعني أن أي صراع طويل الأمد قد يعطل إمدادات الطاقة العالمية، ويرفع تكاليف الشحن، ويُحدث صدمات اقتصادية تتجاوز آثارها منطقة الشرق الأوسط بكثير.

تمتلك الولايات المتحدة القدرات العسكرية اللازمة لإلحاق أضرار مدمرة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية. لكن القدرة على تدمير الأهداف أو القضاء على مسؤولين كبار لا تضمن انهيار الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن ضمان ظهور حكومة بديلة مستقرة ومتعاونة. فالتمييز بين إضعاف دولة عسكرياً والتحكم في مستقبلها السياسي تمييز جوهري.

ويُناقش تغيير الأنظمة أحياناً كما لو أن إزاحة قيادة معادية كفيلة تلقائياً بحل المشكلات التي جعلت تلك الدولة خصماً. لكن النتائج قد تكون أقل قابلية للتنبؤ بكثير. فقد تتمكن المؤسسات الأمنية الإيرانية من الصمود رغم فقدان قيادات بارزة، وإعادة تنظيم صفوفها حول سلطات جديدة، أو تصبح أكثر تشدداً. وفي المقابل، قد يؤدي انهيار النظام القائم إلى اندلاع صراع على السلطة بين الفصائل السياسية المتنافسة والأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة.

كما أن عدم الرضا عن حكومة ما لا يضمن التوافق على ما ينبغي أن يحل محلها. فالإيرانيون المعارضون للجمهورية الإسلامية لا يتبنون بالضرورة الرؤية السياسية نفسها، ولا ينبغي الخلط بين معارضة القمع الداخلي وتأييد التدخل العسكري الأجنبي. وقد تتيح الهجمات العسكرية فرصاً للتغيير السياسي، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تصاعد النزعة القومية، وتمنح السلطات التي تبقى في الحكم فرصة لتصوير الصراع باعتباره معركة من أجل بقاء الدولة.

وقد تكون التداعيات الإقليمية لانهيار النظام السياسي خطيرة بالقدر نفسه. فقد يواجه العراق ودول الخليج موجات جديدة من عدم الاستقرار، فيما قد تشهد دول أخرى ترتبط بعلاقات إقليمية مع إيران مزيداً من الصراعات. كما أن اضطراب أسواق الطاقة وحركة الشحن الدولي قد يفرض تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي. وبذلك، قد تؤدي حملة يُفترض أنها تستهدف تعزيز الأمن الأمريكي إلى نشوء تهديدات جديدة تستلزم سنوات إضافية من الانخراط الدبلوماسي أو الاقتصادي أو العسكري.

وهنا يصبح من المستحيل تجاهل شبح بغداد. فمكمن الخطر الأساسي ليس افتقار الولايات المتحدة إلى القدرة على إلحاق أضرار هائلة بإيران، بل احتمال أن تقلل واشنطن مجدداً من شأن التداعيات السياسية لاستخدام هذه القوة. فانهيار حكومة معادية لا يضمن ظهور حكومة خلف صديقة، مثلما أن تدمير خصم لا يؤدي تلقائياً إلى قيام نظام إقليمي أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية.

ولا يعني ذلك أن على الولايات المتحدة الإبقاء على كل نظام معادٍ تواجهه، كما لا يعني أن القوة العسكرية لا يمكن أن تسهم في إحداث تغيير سياسي. وإنما يعني أن تغيير الأنظمة ينبغي ألا يُقيّم وفقاً للسرعة التي تسقط بها الحكومة، بل وفقاً لمدى إسهام النظام السياسي الناتج في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي بررت التدخل.

تقدم حرب العراق تحذيراً بالغ الدلالة. فقد أطاحت واشنطن بصدام حسين، لكنها واجهت صعوبات في بناء عراق مستقر، وأنفقت موارد هائلة، وتكبدت آلاف القتلى في صفوف قواتها العسكرية، وأسهمت، من غير قصد، في توسيع النفوذ الإقليمي لإيران. وامتدت التداعيات إلى ما هو أبعد من الحملة العسكرية الأصلية، فأعادت تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية وأظهرت مدى صعوبة التراجع عن الآثار غير المقصودة للتدخل.

تمثل إيران تحدياً مختلفاً، لكن المعضلة الجوهرية تظل كما هي. فقد تتمكن واشنطن من الانتصار في المواجهات العسكرية وإضعاف الدولة الإيرانية بشدة، لكنها لا تستطيع ضمان أن يؤدي التحول السياسي الناتج إلى الاستقرار أو الديمقراطية أو جعل الشرق الأوسط أكثر أمناً.
في نهاية المطاف، لا يُقاس اختبار القوة الأمريكية بمجرد قدرتها على الإطاحة بحكومة معادية أخرى، بل بقدرتها على استشراف العواقب، وإدارة مرحلة ما بعد التدخل، وتحقيق نتيجة تخدم مصالحها الوطنية فعلياً. لقد كشفت بغداد مخاطر الخلط بين الانتصار العسكري والنجاح الاستراتيجي. وقد تكون طهران المحطة التي تحدد ما إذا كانت واشنطن قد استوعبت أخيراً الفارق بينهما.

إن الخطر الاستراتيجي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يكمن في افتقارها إلى القوة اللازمة للإطاحة بنظام معادٍ آخر، بل في احتمال أن تخلط مرة أخرى بين القدرة على تدمير نظام سياسي والقدرة على بناء مستقبل أفضل يحل محله.

* جامعة ييل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى