مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: عنق الزجاجة (2)

لا يُكسر عنق الزجاجة بتبادل الاتهامات بين القوى السياسية، ولا بمجرد استبدال قيادات بأخرى، وإنما بفتح الطريق أمام الأغلبية الصامتة لتشارك في صناعة القرار. فالمشكلة ليست بالضرورة في قلة الكفاءات أو غياب الراغبين في خدمة الوطن، بل في اختلال العلاقة بين أغلبية تملك حق الاختيار، وأقلية أكثر تنظيماً تحسن الوصول إلى مواقع التأثير. وما تتركه الجماهير من فراغ في الأحياء والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني وقيادات الأحزاب، لن يظل شاغراً؛ إذ سيشغله من يملكون التنظيم والمبادرة، لا بالضرورة من يملكون الكفاءة والنزاهة. ولذلك، فإن الخروج من عنق الزجاجة لا يبدأ بانتظار أن يتنازل الحرس القديم عن مواقعه، بل بمنافسة جادة ومنظمة تنقل المواطنين من مقاعد المتفرجين إلى مواقع المشاركة والمسؤولية.

ولعل تجربة حسن الترابي، مهما بلغ الاختلاف معه، تقدم درساً جديراً بالتأمل؛ فقد أدرك، بحكم خلفيته القانونية والدستورية، أهمية الإعداد المبكر والمنظم للوصول إلى صناديق الاقتراع، فلم يحصر اهتمام حزبه في الانتخابات العامة، بل امتد إلى الاتحادات الطلابية والنقابات والدوائر الانتخابية، بما فيها دوائر الخريجين. والدرس هنا ليس استنساخ تجربته السياسية، وإنما إدراك أن التنظيم والعمل المتواصل قد يمنحان مجموعة منظمة قدرة على التأثير تفوق حجمها العددي.

فالسودانيون، رغم أن كثيرين منهم لا ينتمون إلى أحزاب سياسية، يستطيعون إحداث التغيير إذا اختاروا من يثقون بهم، ودعموهم للوصول إلى مواقع القيادة المهنية والسياسية. وهنا تبرز فرصة تيار الحوار الشعبي للانتقال من مجرد دعوة إلى الحوار إلى حركة مجتمعية مستقلة، تبدأ من الأحياء والجامعات وأوساط المهنيين والشتات، وتربط هذه الدوائر في شبكة وطنية تتفق على الأولويات، وتفرز الكفاءات، وتدعم المشاركة في الانتخابات النقابية والسياسية وفق معايير معلنة من النزاهة والكفاءة والمساءلة.

ولكيلا يبقى هذا التوجه أسير الشعارات، يمكن البدء خلال ستة أشهر بتشكيل لجنة تنسيق مستقلة، وإطلاق عشر دوائر حوار تجريبية في مواقع متنوعة، ثم إعداد سجل طوعي للكفاءات وتقرير بالأولويات الشعبية، يعقبه اختيار منسقين وممثلين بإجراءات شفافة، ونشر تقارير شهرية تقيس المشاركة والتنوع وما تحقق من أهداف. على أن يظل التيار مفتوحاً للمستقلين، بعيداً عن المحاصصات الحزبية والولاءات الضيقة، وألا يتحول إلى حزب جديد يحتكر تمثيل الناس. فالمطلوب ليس إنشاء قيادة تتحدث باسم الأغلبية الصامتة، بل تمكين هذه الأغلبية من اختيار قيادتها بنفسها. صحيح أن كلفة العمل العام المادية والمعنوية مرتفعة، لكن كلفة ضياع الوطن أكبر؛ فالأوطان لا تخسرها إخفاقات القيادات وحدها، بل تخسرها أيضاً مجتمعات تتراجع عن مسؤوليتها في اختيار من يقودها. إن كسر عنق الزجاجة يبدأ حين تكف الأغلبية عن الصمت، وتحوّل إرادتها من موقف احتجاجي إلى قوة منظمة تصنع التغيير.

الخرطوم 17 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى