مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: الجنرال البرهان.. حين تُختبر القيادة في مواسم الأزمات

ليست القيادة لقبًا يُمنح، ولا موقعًا يُشغل، وإنما امتحان عسير تُظهر نتائجه الأزمات قبل أوقات الرخاء، وتكشفه القرارات قبل الخطب والشعارات.

وعندما تدخل الدول منعطفات تاريخية، يصبح القائد أمام اختبار يومي، حيث لا توجد قرارات مثالية، بل خيارات صعبة تفرضها الوقائع على الأرض.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان، وجد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث.

فالحرب لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، وإنما أزمة وطنية متشابكة امتدت آثارها إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات الخارجية.
وإدارة مثل هذه المرحلة تتطلب قدرة على الموازنة بين ضرورات الميدان ومتطلبات الدولة، وهي معادلة لا تخلو من التعقيد.

ويرى مؤيدو البرهان أن قيادته اتسمت بالثبات في لحظات بالغة الحساسية، وأن المؤسسة العسكرية حافظت على تماسكها رغم قسوة الظروف.

ويستشهد هؤلاء بما تحقق من تقدم ميداني في عدد من المناطق، معتبرين أن ذلك يعكس نهجًا ركز على إعادة تنظيم القدرات واستمرار العمليات.

وفي المقابل، يرى منتقدون أن الحرب أفرزت تحديات إنسانية واقتصادية جسيمة، وأن النجاح العسكري، مهما كانت أهميته، لا يغني عن الحاجة إلى معالجة بقية الملفات الوطنية.

وبين الرأيين، يبقى التقييم الشامل مرهونًا بما ستفضي إليه المرحلة الحالية من نتائج سياسية وأمنية ومجتمعية.

وعلى الصعيد السياسي، واجه البرهان واقعًا بالغ التعقيد، في ظل تراجع التوافق بين القوى السياسية واستمرار حالة الاستقطاب.

أما الملف الخارجي، فقد ظل أحد أكثر الملفات حساسية، بحكم تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الشأن السوداني.

وتحت هذا الواقع، سعت القيادة السودانية إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، بما يخدم رؤية الدولة لمصالحها.

فالسياسة الخارجية في أوقات الأزمات لا تُدار بالعواطف، وإنما بحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والمصالح.

ومن السمات التي يلفت إليها متابعون لأسلوب البرهان ميله إلى تقليل الظهور الإعلامي مقارنة بكثير من القادة.

فهو يفضل، في كثير من الأحيان، أن تتقدم الوقائع على التصريحات، وأن تسبق النتائجُ الخطابَ الإعلامي.

ويرى البعض أن هذا النهج يمنح مساحة أكبر للعمل بعيدًا عن الضجيج، بينما يرى آخرون أن التواصل المستمر مع المواطنين يظل ضرورة في الظروف الاستثنائية.

وفي الحالتين، تبقى لكل مدرسة في القيادة أدواتها، ولكل قائد طريقته في إدارة المشهد.

كما أن نجاح أي قائد لا يُقاس بشخصه وحده، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ السياسات وتحقيق الأهداف.

فالمؤسسات القوية هي الضمان الحقيقي لاستمرار الدولة، مهما تبدلت القيادات.

ولا خلاف على أن السودان يمر بمرحلة استثنائية تتطلب تضافر جهود الجميع، حكومةً ومؤسساتٍ وقوىً سياسيةً ومجتمعًا.

فإعادة بناء ما أفرزته الحرب لن تكون مسؤولية جهة واحدة، وإنما مشروعًا وطنيًا واسعًا.

ومن هنا، فإن أي قراءة لأداء القيادة ينبغي أن تراعي حجم التحديات التي فرضتها الحرب، دون إغفال ما صاحبها من إخفاقات أو نجاحات.

فالتاريخ لا يكتب أحكامه في ذروة الأحداث، وإنما بعد أن تهدأ العواصف وتتكشف النتائج.

والقيادة، في نهاية المطاف، ليست معصومة من الخطأ، كما أنها ليست بمنأى عن الإنجاز.

ولهذا، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق، مع إبقاء الباب مفتوحًا للنقد الموضوعي والمراجعة المستمرة.

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة الأمن، وإحياء مؤسسات الدولة، وتهيئة المناخ لحوار يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
فالحروب، مهما طالت، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن بناء الدولة وترسيخ الاستقرار.

وسيظل تقييم تجربة البرهان، كغيره من القادة، مرتبطًا بما ستكشفه السنوات المقبلة من نتائج وآثار على حاضر السودان ومستقبله.
أما المؤكد، فهو أن إدارة الأزمات تظل من أصعب اختبارات القيادة، وأن النجاح فيها لا يُقاس بلحظة واحدة، بل بحصيلة تجربة كاملة.

وبين اختلاف الرؤى وتباين المواقف، يبقى السودان أكبر من الأشخاص، وتبقى مصلحة الوطن هي المعيار الذي ينبغي أن يحتكم إليه الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى