مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: بورتسودان بين الوعود الضائعة وتعطيل المشاريع الإستراتيجية

بعد الحرب التي اندلعت في العاصمة القومية الخرطوم وانتقال مؤسسات الدولة الاتحادية إلى مدينة بورتسودان، توقع السودانيون أن تتحول المدينة إلى ورشة عمل كبرى ومركز اقتصادي متكامل يقود مرحلة التعافي الوطني.

كانت التوقعات تشير إلى أن بورتسودان ستشهد نهضة عمرانية وتنموية غير مسبوقة بحكم موقعها الإستراتيجي واحتضانها للميناء البحري ومؤسسات الدولة الحيوية.

إلا أن الواقع كشف عن صورة مختلفة تماماً، حيث ظلت الأزمات الخدمية تراوح مكانها دون حلول جذرية تواكب حجم التحولات التي شهدتها المدينة.

عادت الحكومة الاتحادية إلى الخرطوم بينما بقيت بورتسودان تواجه ذات المشكلات القديمة في المياه والكهرباء والبنى التحتية والخدمات الأساسية.

كثير من المستثمرين الذين تدفقوا على بورتسودان عقب الحرب كانوا يتوقعون وجود بيئة استثمارية محفزة تشجع على ضخ الأموال وتوطين المشروعات الكبرى.

لكن الصدمة الحقيقية تمثلت في ضعف الحوافز والتعقيدات الإدارية والبطء في حسم الملفات الاستثمارية الحيوية.

عدد من المستثمرين فضلوا المغادرة أو تجميد نشاطهم بسبب غياب الرؤية الواضحة وعدم وجود ضمانات كافية لحماية الاستثمارات الوطنية.

وفي المقابل ظهرت نماذج وطنية مشرفة آمنت بالسودان واختارت البقاء والعمل رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

من بين هذه النماذج تبرز شركة أرناف للأنشطة المتعددة المملوكة لرجل الأعمال السوداني فضل الله الكدقري.

الرجل فضل الاستثمار داخل السودان بدلاً عن تهريب أمواله إلى الخارج، واختار مدينة بورتسودان لتكون مركزاً لمشروع إستراتيجي ضخم في مجال المشتقات البترولية.

المشروع لم يكن مجرد نشاط تجاري عادي، بل رؤية اقتصادية متكاملة تستهدف تحويل بورتسودان إلى مركز لوجستي وإقليمي للطاقة والتخزين والتوزيع.

استطاع الكدقري إقناع الأهالي بأهمية المشروع، وتم تخصيص أراضٍ استثمارية لإقامة أكبر مستودعات لاستيراد وتخزين المشتقات البترولية بالسودان.

المشروع كان من المفترض أن يسهم في تأمين الإمداد البترولي وتقليل الاختناقات المتكررة في الوقود التي عانت منها البلاد لسنوات طويلة.
ولم يتوقف الطموح عند هذا الحد، بل تم التبشير بقيام مدينة بورتسودان اللوجستية كأكبر مشروع اقتصادي حديث يشهده السودان.
هذه المدينة اللوجستية كان يمكن أن تمثل نقلة نوعية حقيقية في مجال النقل البحري والتخزين والخدمات التجارية والصناعات المرتبطة بالموانئ.

التقديرات الأولية أكدت أن عائدات المشروع يمكن أن تتجاوز المليار دولار سنوياً حال تنفيذه بالصورة المطلوبة.

هذه العائدات الضخمة كانت كفيلة بإحداث تحول جذري في الخدمات الأساسية داخل ولاية البحر الأحمر.

أزمة الكهرباء المزمنة التي ظلت تؤرق المواطنين كان بالإمكان معالجتها عبر العائدات المتوقعة من المشروع.

كذلك كان المشروع قادراً على المساهمة في توفير حلول مستدامة لمشكلة مياه الشرب التي أصبحت تمثل هاجساً يومياً لسكان بورتسودان.

المشروع أيضاً كان سيخلق آلاف الفرص الوظيفية المباشرة وغير المباشرة لأبناء المنطقة ويحد من معدلات البطالة المتزايدة وسط الشباب.

الأهالي أبدوا حماساً غير مسبوق للمشروع ووافقوا بالإجماع على قيامه بعد أن لمسوا الفوائد الاقتصادية المتوقعة منه.
بل إن بعض المجتمعات المحلية ذهبت أبعد من ذلك عبر الدخول في شراكات حقيقية وتحديد نسب الفائدة بصورة تعكس روح التعاون والمصلحة المشتركة.

ولاة ولاية البحر الأحمر السابقون أبدوا دعماً واضحاً للمشروع، وأعلنوا أكثر من مرة رغبتهم في تسهيل الإجراءات ودفع المشروع إلى الأمام.
إلا أن الأمور تغيرت بصورة مفاجئة بعد تولي والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود، الذي لم يظهر الحماس الكافي تجاه المشروع بحسب مراقبين.

حالة الجمود التي يعيشها المشروع تثير العديد من علامات الاستفهام حول أسباب التعطيل الحقيقية والجهات المستفيدة من بقاء الأوضاع كما هي.

حكومة ولاية البحر الأحمر كان يفترض أن تكون شريكاً أصيلاً في المشروع بحكم ملكيتها للأرض، وليس مجرد جهة لتحصيل الرسوم والعوائد الإدارية فقط.

التجارب العالمية أثبتت أن الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص تعد من أهم وسائل إنعاش الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.

للأسف، بعض المؤسسات الحكومية ظلت تتعامل مع الأراضي الاستثمارية بعقلية الحجز والتجميد دون تنفيذ فعلي للمشروعات المعلنة.

الأخطر من ذلك أن تعطيل المشروعات الإستراتيجية يبعث برسائل سلبية للمستثمرين الوطنيين والأجانب ويضعف الثقة في بيئة الاستثمار السودانية.

السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروعات إنتاجية ضخمة تفتح أبواب الأمل وتعيد بناء الاقتصاد الوطني بعيداً عن الصراعات والتجاذبات والمصالح الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى