مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: عدم تدخل الوالي في السياسة التحريرية سر نجاح قناة البحر الأحمر واستمرارها

بعد توقف طويل أثار كثيراً من علامات الاستفهام، عادت قناة البحر الأحمر الفضائية إلى البث من جديد، وسط ترقب واسع من مواطني الولاية الذين ينتظرون شاشة تعبر عنهم وتنقل قضاياهم بلا تزييف ولا مجاملة.

عودة القناة في حد ذاتها خطوة إيجابية، لكنها لن تكون ذات قيمة إذا جاءت بذات العقلية القديمة التي قادت إلى التراجع والتوقف والانطفاء.

تم اختيار الأستاذ أحمد محمد طاهر المعروف بـ(جلكسي) مديراً للقناة، وهو تكليف يضعه أمام اختبار صعب، فإما أن يصنع تجربة مختلفة، أو يعيد إنتاج الإخفاق السابق بصورة أخرى.

المواطن في ولاية البحر الأحمر لا يريد قناة للاحتفالات الرسمية والتصفيق للمسؤولين، بل يريد منبراً حقيقياً يطرح هموم الناس ويكشف أوجه القصور ويقدم حلولاً واقعية.

أي قناة فضائية لا تقوم على المهنية والاستقلالية تتحول سريعاً إلى جهاز باهت لا يشاهده أحد ولا يثق فيه أحد.

المعدات والأجهزة والكاميرات مهما بلغت جودتها لا تصنع نجاحاً، لأن النجاح الحقيقي تصنعه العقول والخبرات والكفاءات القادرة على إدارة المحتوى باحتراف.

الأزمة الكبرى ليست في الأجهزة، وإنما في استقطاب كوادر مؤهلة ومدربة تمتلك القدرة على المنافسة وصناعة الفارق.

الكفاءات لا يمكن أن تعمل في بيئة مرتبكة، ولا في مؤسسة يغيب عنها الاستقرار المالي والمهني والإداري.

لذلك فإن توفير المرتبات المجزية والحوافز والبيئة المحترمة ليس ترفاً، بل شرط أساسي لبقاء أي مؤسسة إعلامية.

كثير من المؤسسات سقطت لأنها اهتمت بالشكل وأهملت الإنسان، فكانت النتيجة هروب المبدعين وبقاء العجز والفوضى.

قناة البحر الأحمر تحتاج إلى دماء جديدة، وشباب متمكن، وخبرات متراكمة، بعيداً عن سياسة الترضيات والمحاصصات والشلليات.

كما تحتاج إلى خارطة برامج قوية تخاطب المجتمع بكل فئاته، لا برامج مرتجلة تملأ الزمن وتستهلك الهواء بلا أثر.

المطلوب برامج سياسية محترمة، وخدمية جادة، واقتصادية، وثقافية، ورياضية، ومنصات حوارية حقيقية تفتح الملفات الساخنة.

المشاهد اليوم أصبح أكثر وعياً، ولم يعد يقبل الخطاب المعلب أو الإعلام الذي يسبح بحمد المسؤولين صباح مساء.

هنا تبرز مسؤولية والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود في دعم القناة مالياً وإدارياً دون أن يتحول إلى مدير فعلي لها من وراء الستار.

مهمة الوالي هي الإشراف العام وتوفير الميزانية وضمان الاستقرار، لا التدخل في غرف التحرير ولا فرض أجندته على العاملين.

التدخل في السياسة التحريرية هو أول طريق الفشل، لأنه يقتل روح المبادرة ويصادر المهنية ويحول الشاشة إلى نشرة حكومية مكررة.

أما اختيار الضيوف وفق الرغبات الشخصية أو الحسابات السياسية فهو جريمة مهنية في حق القناة والمشاهد معاً.

الضيف يختاره البرنامج وفق الكفاءة والخبرة والموضوع، لا وفق القرب من السلطة أو الرضا الرسمي.

عندما يُمنع أصحاب الرأي المختلف، وتُفتح الشاشة فقط للمصفقين، فإن القناة تفقد احترام الناس في لحظة واحدة.

الإعلام الحقيقي لا يخشى الرأي الآخر، بل يرحب به ويمنحه المساحة الكاملة في إطار الاحترام والمسؤولية.

كما أن تصنيف الصحفيين إلى هذا مع الوالي وذاك ضد الوالي سلوك متخلف لا مكان له داخل مؤسسة يفترض أنها مهنية.

الصحفي يحترم بقلمه ومهنيته وخبرته، لا بدرجة قربه أو بعده من المسؤول التنفيذي.

وإذا استمرت عقلية الإقصاء والفرز السياسي، فلن تجد القناة إلا الأصوات الضعيفة التي لا تضيف شيئاً.

نجاح قناة البحر الأحمر مرهون بحرية العاملين فيها، واستقلال قرارهم، وثقة الإدارة في قدراتهم.

كما أن نجاحها مرتبط بوجود تمويل مستقر يضمن الإنتاج القوي، لأن البرامج المؤثرة لا تولد من الفراغ.

القناة يجب أن تكون لولاية البحر الأحمر كلها، لا لفرد، ولا لمجموعة، ولا لمنصب زائل بزوال شاغله.

المسؤول يأتي اليوم ويرحل غداً، أما المؤسسة الإعلامية المحترمة فتبقى إذا بنيت على قواعد صحيحة.

إن أراد الوالي أن يسجل اسمه إيجابياً، فليدعم القناة ويبتعد عن تفاصيلها التحريرية، وليترك أهل المهنة يمارسون عملهم بحرية.

أما إذا أصر البعض على التحكم في الشاشة من خارجها، فلن تكون العودة الجديدة سوى نسخة أخرى من فشل قديم بثوب جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى