موازنات.. الطيب المكابرابي يكتب: إجازات العاملين والمعاش الاختياري.. ذبحٌ للخدمة المدنية أم الوضع الاقتصادي كما يدّعون؟

في بدايات أزمتنا هذه، وبعد إغلاق كل المؤسسات أبوابها، تخلّت مؤسسات خاصة عن منسوبيها إلى حدٍّ كبير، وفرضت عليهم الدخول في إجازات بلا راتب، في الوقت الذي احتاجوا فيه إليها، واحتاجوا وقفتها إلى جانبهم في ساعة الكرب…
تم قبول ذلك والتعامل معه آنذاك وفقًا للتبرير الذي ساقوه، ولكن… وبعد انجلاء الغمّة وعودة المؤسسات إلى سابق عهدها إلا القليل، وعودة كل مؤسسات الدولة والوزارات لمزاولة نشاطها، وانتقالها إلى الخرطوم، نجد أن هذه المؤسسات تمانع في عودة العاملين فيها إلى مواقعهم وممارسة أعمالهم، كلٌّ من خلال موقعه ووحدته التي تحتاج جهدًا وعملًا لإعادتها لما كانت عليه…
استنّت هذه المؤسسات والوزارات سنّةً لم يسبقها إليها أحد، حيث قصرت العمل على عدد محدود كان يسيّر العمل ببورتسودان، ومنعت الآخرين من العودة بحجة سوء الوضع الاقتصادي والميزانيات، رغم أنها، وفي ذات الوقت، منحت هؤلاء حوافز يكفي حافز الواحد منهم عشرةً من زملائه لو أنهم زاولوا أعمالهم ومنحتهم المؤسسة بعض الحوافز أو البدلات…
مؤسسات ووزارات أخرى فتحت أبوابًا للدخول في المعاش الاختياري المبكر، فيما بدأت مؤسسات أخرى في تخفيض العمالة لديها، وكل ذلك بحجة، وتحت غطاء، الوضع الاقتصادي أو العمالة الزائدة!!
هذا الذي يحدث أثار شكوكًا وفتح أبوابًا للظنون، حيث رأى البعض في ذلك توجهًا لذبح الخدمة المدنية وإفقارها بإبعاد كل هؤلاء، إبعادًا مؤقتًا أو مستديمًا، وهم من صرفت عليهم الدولة في التدريب والتأهيل، فأصبحوا خبراء كلٌّ في مجاله، وبكل بساطة يتم الاستغناء عن خدماتهم بهذه الحجج والروايات..
آخرون، وربما كانوا على خطأ، بدأوا يفسرون هذا الاستغناء بالتوجه نحو توفير وظائف في هذه المؤسسات ليتم استيعاب آخرين فيها وفقًا لخطط مرسومة، وعملًا على تقسيم كل شيء، حتى الوظائف، وإن أدى ذلك إلى إحلال جهلاء محل خبراء وعلماء…
ما هو معلوم أن الوزارات والمؤسسات التي عاودت نشاطها من الخرطوم تحتاج من يملأ فيها الفراغ ويعيد فيها النشاط، ومعلوم أيضًا أن الخرطوم لن تعود كما كانت ما لم يعد إليها من كانوا يعملون بهذه المؤسسات ويسكنون الأحياء الخالية من السكان الآن، والذين تطالبهم لجنة تهيئة الخرطوم بالعودة، ولم توفر لهم مصادر الرزق…
ما هو مطلوب الآن فتح كل المؤسسات الأبواب أمام عودة العاملين، كلٌّ إلى موقعه، وأن تتوقف نغمة الوضع الاقتصادي والميزانيات، وأن يتوقف ذبح الخدمة المدنية للمرة الرابعة في تاريخ السودان، وألا تتحمل حكومة الأمل وزرًا كهذا مهما كانت التكلفة وكان الثمن…

