الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: ماذا استفاد الشعب من زيارة الفاتيكان و اكسفورد

في مشهد يثير التساؤلات والاستغراب، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر وصول رئيس الوزراء إلى مقر ندوة في جامعة أكسفورد، حيث كان الحضور متواضعاً جداً، لا يليق بمكانة رئيس حكومة ولا بقيمة الحدث المفترض. هذا المشهد ليس مجرد صورة عابرة، بل يكشف عن نمط متزايد من السفر المتكرر الذي بات يثقل كاهل خزينة الدولة بشكل كبير، ما لم تكن تلك السفريات مجانية بالكامل – وهو أمر مستبعد في ظل المنطق الاقتصادي السليم.
لقد اعتاد الشعب السوداني على رؤية رئيس الوزراء يتنقل بين العواصم العالمية محاطاً بوفود كبيرة من المرافقين والمستشارين والحراس، مما يرفع تكاليف السفر والإقامة والتنقل إلى أرقام هائلة. في وقت يعاني فيه المواطن السوداني من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء ونقص الدواء والغذاء، يصبح كل دولار يُنفق على هذه السفريات عبئاً إضافياً على ميزانية تعاني أصلاً من عجز كبير ومديونية متراكمة.
والأغرب من ذلك وأكثر إثارة للعجب، أن رئيس الوزراء يسافر إلى دول متعددة ليعرض “خطة السلام في السودان”، بينما لم يُطلع الشعب السوداني على تفاصيل هذه الخطة ولو لمرة واحدة، ولم يعقد مؤتمراً صحفياً واحداً في الخرطوم لمناقشتها وشرح بنودها. هذا الأمر يشي بأن إشراك الشعب السوداني في معرفة ما يُخطط له لمستقبله ليس أولوية لدى حكومة “الأمل”، وكأن المواطن السوداني لا يستحق أن يكون شريكاً وصانعاً لقراراته، بل مجرد متفرج على ما يُدبّر له من بعيد.
لقد أكملت حكومة الأمل عامها الأول كاملاً، والشعب السوداني يمر بأسوأ حالة إنسانية ومعيشية عرفها منذ عهد دولة كوش القديمة إلى يومنا هذا. ومع ذلك، لا تزال الإنجازات الملموسة التي يشعر بها المواطن على أرض الواقع غائبة تماماً. هناك طلب ملح من القراء والمتابعين أن نكتب عمّا قدمته هذه الحكومة بالفعل لصالح الشعب، وعن عدم إنجازاتها كذلك بكل شفافية وموضوعية.
ونحن، استجابةً لطلب القارئ الكريم وواجباً علينا، نوجه نداءً صريحاً إلى مجلس الوزراء الآن: نريد منكم توضيحاً رسمياً، في جدول إحصائي دقيق ومفصل، يبيّن لنا ماذا قدمت حكومة الأمل للشعب السوداني خلال عامها الأول. نريد أرقاماً وحقائق على الأرض تم إنجازها، لا تصريحات إعلامية براقة في القنوات ولا خطابات معسولة في المؤتمرات الصحفية المنمقة. هل هناك مدارس بُنيت؟ هل هناك مستشفيات افتتحت؟ هل هناك مشاريع مياه أُنجزت؟ هل تم تأمين الكهرباء لجميع الولايات، خاصة ولاية الخرطوم التي تُدمرت فيها وسُرقت المحولات منها؟ هل انخفضت الأسعار أو تحسنت الخدمات؟ هل انخفض سعر الدولار أمام الجنيه؟ هل تم إحضار المستثمرين العالميين للاستثمار في السودان، وأين هم؟!
إن انطباعنا السائد حتى الآن أن هناك إنجازات على الورق فقط، لا انعكاس لها على أرض الواقع المعاش. فنحن لم نرَ مشروعاً خدمياً كبيراً يشعر به المواطن البسيط، ولم نشعر بتحسن حقيقي في الأمن أو الاقتصاد أو المعيشة. بدلاً من ذلك، نرى أسفاراً متكررة وعدد المرافقين في زيادة وندوات دولية لا تقدّم ولا تؤخر للشعب السوداني المتألم.
نحن نترقب ونأمل من السيد رئيس الوزراء أن يعقد مؤتمراً صحفياً عاجلاً، يسمح فيه للحضور من الصحفيين والإعلاميين بتوجيه أسئلة مهما كانت قساوتها وصراحتها، ولكن في إطار من الاحترام المتبادل والمهنية، ليوضح لنا جرد حساب كاملاً وشفافاً عن إنجازات حكومته خلال عامها الأول، وعن أسباب غياب الإنجازات المطلوبة. فالشعب السوداني يستحق الحقيقة كاملة غير منقوصة، خاصة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد.
هذا الملف يظل مفتوحاً حتى نصل إلى إحصاء حقيقي لكل الإنجازات التي تم تحقيقها على أرض الواقع. لقد جمعنا كل فيديوهات الزيارات الخارجية وكل ما قيل في تلك الزيارات، ولم نجد ما تحقق مما قيل فيها حتى الآن.
ألا هل بلّغْت؟ اللهم فاشهد. (فستذكرون ما أقول لكم، وأفوّض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد).

