مقالات

خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: الاقتصاد الجنائي: كشف السلوكيات الخفية باستخدام التحليل الاقتصادي

في العقود الأخيرة، برز مجال أكاديمي جديد يحمل اسم “الاقتصاد الجنائي”، يسعى إلى كشف الأدلة على سلوكيات خفية في مجموعة متنوعة من المجالات الاقتصادية والاجتماعية. تشمل الأمثلة البارزة: غش المعلمين في الامتحانات، وتوفير شركات الطرق في المواد الإنشائية، وانتهاكات عقوبات الأمم المتحدة، وإجراء عمليات قلب مفتوح غير ضرورية، والتحيزات العنصرية في قرارات التوظيف. وقد بدأ هذا المجال الجديد في الظهور كمجال فوقي (meta-field) يكشف أدلة على سلوكيات خفية في مجموعة متنوعة من المجالات.

تكتسب هذه الدراسة أهميتها الخاصة من خلال توسيع نطاق التحليل ليشمل تطبيقات الاقتصاد الجنائي في السياق الأفريقي، مع تركيز خاص على السودان كدراسة حالة. ففي أفريقيا، حيث تتفاوت جودة المؤسسات وتنتشر أنماط متنوعة من السلوك الخفي – من التهرب الضريبي والفساد إلى التدفقات المالية غير المشروعة – يقدم الاقتصاد الجنائي أدوات تحليلية واعدة لكشف هذه الأنشطة وقياس حجمها.

مفهوم الاقتصاد الجنائي وأهميته
الاقتصاد الجنائي هو تطبيق النظريات والأساليب الاقتصادية على قضية الأضرار المالية كما هو محدد بموجب القانون والسوابق القضائية. غير أن الاقتصاد الجنائي الأكاديمي يتجاوز هذا الإطار ليشمل كشف السلوكيات الخفية لأغراض بحثية أكاديمية بحتة، بهدف تعزيز الفهم النظري والتطبيقي للظواهر الاقتصادية.

يختلف الاقتصاد الجنائي الأكاديمي عن نظيره التقليدي في الدافع الأساسي؛ فهو يطبق الأدوات الاقتصادية في كشف وقياس السلوك الخفي، لكنه يفعل ذلك بهدف تعزيز الفهم العام للسلوك المهم في أداء (أو اختلال أداء) الاقتصاد ككل. وفي بعض أعمال الاقتصاد الجنائي، يولد الاقتصادي الأكاديمي أول دليل علمي على وجود سلوك معين. ولكن في الأكثر شيوعاً، يقوم الاقتصادي بتحديد حجم نشاط لم يكن هناك سوى أدلة قصصية أو مشاهدات فردية عنه، ويقدم نظرة ثاقبة حول أسباب انتشاره مكانياً وزمانياً.

دوافع إخفاء السلوك
ينشأ الاقتصاد الجنائي عادةً لأن الوكلاء المنخرطين في سلوك معين يفضلون إبقاءه مخفياً عن الأنظار. تختلف دوافع إخفاء السلوك باختلاف طبيعة الفعل ونوعه، ويمكن تصنيفها إلى عدة فئات رئيسية:
أولاً: السلوك غير القانوني – حيث يكون الدافع الأساسي للإخفاء هو تجنب العقاب القانوني والملاحقة الجنائية. وهذا يشمل الفساد بجميع أشكاله، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال، وتهريب البضائع، والتداول الداخلي، والاحتيال المالي.
ثانياً: انتهاك للعقد – هنا، يكون الدافع هو تجنب المسؤولية التعاقدية والغرامات الناتجة عن خرق شروط العقد. وهذا يشمل الغش في الامتحانات من قبل المعلمين أو الطلاب، وتزوير التقارير المالية من قبل الشركات.
ثالثاً: انتهاك للأعراف الأخلاقية – هنا، يكون الدافع هو الحفاظ على السمعة الشخصية أو المؤسسية. وهذا يشمل التمييز العنصري، والتحيز في التوظيف، والمحسوبية في التعاملات التجارية.

رابعاً: انتهاك للوائح الداخلية – في هذه الحالة، يكون الدافع هو تجنب العقوبات الإدارية أو فقدان المزايا الوظيفية.
الميزة النسبية للاقتصاديين
يتورط الاقتصاديون الأكاديميون في هذا المجال لأن التحليل الاقتصادي يمنحهم ميزة نسبية واضحة مقارنة بالمحققين الجنائيين التقليديين. فقد يخفي المخطئون آثارهم بشكل جيد بما يكفي لخداع المحققين الميدانيين، لكنهم يتركون تشوهات إحصائية في البيانات الرقمية يمكن للتحليل الاقتصادي الدقيق اكتشافها.

إن الميزة النسبية للاقتصاديين في هذا السياق تنبع من عدة عوامل رئيسية:
• النظرية الاقتصادية التي توفر إطاراً لفهم سلوك الوكلاء في ظل الحوافز المختلفة.

• الأدوات الإحصائية والاقتصاد القياسي التي تمكنهم من تحليل البيانات المعقدة واكتشاف الأنماط والارتباطات الخفية.
• فهم الحوافز وكيفية تأثيرها على السلوك البشري.
• المنظور النظامي الذي يمكنهم من اكتشاف أنماط السلوك الخفي التي قد لا تكون واضحة عند النظر إلى الأجزاء الفردية فقط.
مناهج الاقتصاد الجنائي
يمكن تصنيف مناهج الاقتصاد الجنائي إلى خمس فئات رئيسية:
أولاً: الملاحظة المباشرة
في بعض الحالات الاستثنائية، لم يحتج الاقتصاديون إلى استخدام أدوات معقدة لكشف السلوك الخفي، لأنهم تمكنوا من ملاحظته مباشرة في البيانات المتاحة. تشمل الأمثلة دراسة كريستي وشولتز (1994، 1995) حول تجنب أسعار الثمن الفردية في سوق ناسداك، ودراسة فيزمان وميغيل (2007) حول مخالفات وقوف دبلوماسيي الأمم المتحدة، ودراسة ليفيت (2006) حول سرقة الخبز والدونات في المكاتب.
ثانياً: مقارنة المقاييس
في الحالات التي لا يستطيع فيها الاقتصاديون ملاحظة السلوك الخفي مباشرة، يلجأون إلى مقارنة مقياسين مختلفين لنفس النشاط الاقتصادي. ومن الأمثلة البارزة دراسة فيزمان ووي (2004) حول التهرب الجمركي بين هونغ كونغ والصين، ودراسة سوختانكار (2011) حول تحويل السكر في مصانع الهند.
ثالثاً: الارتباطات مع الحوافز
في مجموعة أكبر من دراسات الاقتصاد الجنائي، يكون لدى الباحثين مقياس نتيجة واحد فقط يعكس كلاً من النشاط الصادق والسلوك الخفي المحتمل. ثم يختبر الباحث ما إذا كان هذا المقياس يختلف مع ربحية أو جدوى السلوك الخفي. ومن الأمثلة دراسة دوغان وليفيت (2002) حول فساد المصارعين في السومو الياباني، ودراسة جين وليزلي (2003، 2009) حول بطاقات تقييم المطاعم في لوس أنجلوس.
رابعاً: الاستدلال القائم على النماذج
في هذه الدراسات، لدينا نموذج لكيفية تفاعل الوكلاء في غياب السلوك الخفي محل الاهتمام، ونحدد السلوك الخفي من خلال البحث عن انحرافات عن هذا النموذج. ومن الأمثلة دراسة جاكوب وليفيت (2003أ) حول كشف غش المعلمين، ودراسة بورتر وزونا (1993) حول كشف التواطؤ في المزادات.

خامساً: كفاءة السوق
تحدد هذه الفئة السلوك الخفي باستخدام فرضيات العدم المشتقة من النظرية المالية أو نظرية الأسعار. ومن الأمثلة العمل على إعادة تاريخ خيارات الأسهم، والتداول المتأخر في الصناديق المشتركة.
المواضيع المشتركة والدروس المستفادة
تظهر من أعمال الاقتصاد الجنائي خمسة مواضيع مشتركة رئيسية:
أولاً: فشل الحكومة
تبرز أدلة على فشل الحكومة في مؤسسات البلدان المتقدمة والمؤسسات الدولية، مع أمثلة تتراوح من شرطة شيكاغو إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات، والأمم المتحدة، والحكومات المحلية في الولايات المتحدة.

ثانياً: قوة نظرية الحوافز
نلاحظ أن السلوك الخفي يزداد مع حوافزه، وينخفض بشكل حاد مع زيادة التدقيق أو الإنفاذ. وهذا يؤكد النموذج الاقتصادي الرائد للجريمة الذي طوره بيكر (1968).
ثالثاً: استمرار التمييز العنصري
يظهر التمييز العنصري وغيره من أشكال المحسوبية في بيئات متنوعة مثل الإسكان والتوظيف والتحكيم الرياضي.
رابعاً: ارتباط المخالفات الصغيرة بالكبيرة
تشير الأدلة إلى ارتباط المخالفات صغيرة النطاق بالجرائم الأكبر حجماً، مثل ارتباط مخالفات وقوف السيارات غير المدفوعة للدبلوماسيين بفساد بلدانهم الأصلي.

خامساً: قوة التدخلات الصغيرة
التدخلات غير المكلفة نسبياً يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة، كما أظهرت سياسة بطاقات تقييم التفتيش الصحي في لوس أنجلوس وخطة مراقبة حضور المعلمين في الهند.

تطبيقات الاقتصاد الجنائي في السودان ودول أفريقيا
تواجه القارة الأفريقية تحديات فريدة في مجال كشف السلوكيات الخفية ومكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة. تشير تقديرات الاتحاد الأفريقي إلى أن القارة تفقد ما لا يقل عن 88 مليار دولار سنوياً بسبب التهرب الضريبي وغسل الأموال والفساد.
دراسة حالة السودان: اقتصاد الظل وتهريب الذهب
يمثل السودان حالة دراسية بالغة الأهمية، حيث يعاني من مستويات مرتفعة من الفساد، حيث جاء ترتيبه 162 من بين 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2023. وقد تطور اقتصاد الظل في السودان إلى نظام منظم يعمل خارج الدولة، يمول ويهرب ويصدر ويعسكر دون رقابة أو مساءلة.

تشير التقديرات إلى أن ما بين 50% و 80% من إنتاج الذهب في السودان يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية، وتقدر خسائر تهريب الذهب خلال العقد الماضي بما لا يقل عن 23 مليار دولار. وقد أصبح الذهب المادة الأساسية التي تغذي الحرب في السودان، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على عمليات تعدين الذهب الرئيسية في دارفور وكردفان، بينما تشرف القوات المسلحة السودانية على الاستخراج في شرق السودان.

في تطبيق مباشر للاقتصاد الجنائي في السودان، استخدم باحثون قانون بنفورد لكشف الاحتيال في التقارير المالية لشركة سوداتل للاتصالات، ووجدوا انحرافات كبيرة في حسابات الأصول الثابتة والقروض، مما يستدعي مزيداً من التحقيق.

دراسة حالة جنوب السودان: فضيحة النفط
كشف تقرير للأمم المتحدة عن فساد منهجي واسع النطاق في قطاع النفط بجنوب السودان، حيث تم اختلاس 2.2 مليار دولار في إطار برنامج “النفط مقابل الطرق”، ولم يتم تنفيذ أكثر من 90% من البنية التحتية الموعودة.

دراسات حالة أفريقية إضافية
• الصومال: كشف التدقيق الجنائي عن اختلاس 25.9 مليون دولار في خدمات تصاريح العمل والجوازات الحكومية، وأسفر عن إدانة 11 مسؤولاً.
• كينيا: طور باحثون اختبارات إحصائية جديدة لكشف التلاعب بالبيانات في مشروع للبنك الدولي، ووجدوا أعلى مستويات الاحتيال في سنة انتخابية.

• زيمبابوي: أظهرت دراسة أن تقنيات المحاسبة الجنائية تحقق دقة 91% في كشف التهرب الضريبي مقارنة بـ 35% باستخدام عمليات التدقيق التقليدية.
• نيجيريا: تشير التقديرات إلى أن نيجيريا تفقد ما يصل إلى 15 مليار دولار سنوياً بسبب الفساد في قطاع النفط.
• مصر: استخدم باحثون تحليل الفجوات لكشف تهريب الآثار والاتجار غير المشروع في القطع الأثرية.

التحديات والفرص في تطبيق الاقتصاد الجنائي في أفريقيا
التحديات الرئيسية
1. ضعف المؤسسات: تعمل البلدان الأفريقية في بيئات مؤسسية ضعيفة حيث توجد فرص عالية لسرقة الموارد.
2. مثبطات إعداد التقارير: تواجه المنظمات المساعدة حوافز قوية لعدم الإبلاغ عن إخفاقاتها.
3. نقص الموارد والقدرات: لا يزال المحاسبة الجنائية في مراحله الأولى في العديد من البلدان الأفريقية.
4. النزاع المسلح وعدم الاستقرار: يؤدي النزاع المسلح إلى تفاقم التحديات في حالات مثل السودان والصومال.
الفرص والتوصيات
1. تعزيز القدرات المؤسسية: الاستثمار في بناء قدرات المؤسسات الوطنية لمكافحة الفساد.

2. الشراكات الدولية: الاستفادة من الخبرات والموارد الدولية.
3. تعزيز الشفافية والإفصاح: تطبيق سياسات تعزز الشفافية في المشتريات الحكومية والتدفقات المالية.
4. استخدام التكنولوجيا: توظيف تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
5. التعاون الإقليمي: تبادل المعلومات وتنسيق الجهود بين الدول الأفريقية.
6. تعزيز المجتمع المدني: دعم منظمات المجتمع المدني في مراقبة الفساد.
7. الإصلاحات القانونية: تعزيز حماية المبلغين وتشديد العقوبات على الفساد.
الخاتمة
إن الاقتصاد الجنائي يمثل مجالاً واعداً يجمع بين النظرية الاقتصادية المتينة والأدوات الإحصائية المتقدمة لكشف السلوكيات الخفية التي تؤثر على الأداء الاقتصادي والمجتمعي. وقد أظهرت تطبيقات الاقتصاد الجنائي في السياق الأفريقي، وخاصة في السودان وجنوب السودان والصومال وكينيا وزيمبابوي ونيجيريا ومصر، قدرة هذه الأدوات على كشف أنماط معقدة من السلوك الخفي.

ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بتوافر البيانات، وضعف المؤسسات، والنزاع المسلح، والحوافز السياساتية. ومع الالتزام السياسي والتعاون الدولي والاستثمار في بناء القدرات، يمكن للاقتصاد الجنائي أن يصبح أداة فعالة في مكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة في أفريقيا، مما يسهم في تعزيز الشفافية وتحقيق التنمية المستدامة في القارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى