من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: قالوا: الروب!

الفيديو المتداول لمريم الصادق المهدي، إحدى الوجوه البارزة في قوى الحرية والتغيير، وهي تتحدث بمرارة عن الواقع الذي انتهت إليه الأمور، لم يكن مجرد مقطع ، بل بدا كأنه لحظة انكشاف بعد طول مكابرة
بالأمس كانت المنابر تعج بالتصفيق، والهتافات ترتفع، والطبول تُقرع احتفاءً بحمدوك، حتى بدا للرأي العام أن السودان قد عثر أخيراً على (المخلّص) الذي سيضع البلاد على طريق الخلاص ، ثم دارت الأيام، وسقطت الشعارات واحداً تلو الآخر، وبقيت حصيلة التجربة أثقل من كل خطبها: كثير من الضجيج، وقليل من الإنجاز
ومريم نفسها كانت جزءاً من تلك المنظومة، وتولت وزارة سيادية في حكومة الفشل ، لكن الحصيلة بحسب خصومها لم تكن بحجم الوعود التي سبقت الدخول إلى السلطة ، وهكذا تبدلت النبرة من (التطبيل) إلى (الروب) ! وكأن بعض أهل المشروع السياسي اكتشفوا متأخرين أن الحلم الذي باعوه للجماهير لم يكن إلا فاتورة مؤجلة
والأكثر إثارة أن ما قالته مريم قد يكون لسان حال كثير من بؤساء قحت الذين يعضّون أصابع الندم في السر، لكنهم لا يملكون شجاعة الاعتراف به في العلن (كاتلنوا في حشاهم) ، فكيف يعترفون بأن الطريق الذي زغردوا له بالأمس قادهم إلى الحائط؟
المفارقة أن بعضهم ما زال واقفاً عند المحطة القديمة، يصفق لنفس القطار حتى بعد أن غادر السكة! وفي مقدمة هؤلاء حمدوك، الذي لا يزال في نظر منتقديه يوزع شهادات حسن السيرة على جهات يتهمها كثير من السودانيين بالتورط في إطالة أمد الحرب، ويقدمها في خطاباته باعتبارها راغبة في السلام.
وهنا تصبح المسألة أكبر من خلاف سياسي: فالسياسة إذا انفصلت عن مصلحة الوطن تتحول إلى وظيفة، وإذا صار المال بوصلةً لها ضاعت البوصلة، وإذا أُغلقت العين عن الحقيقة لم تعد المشكلة في النظر وحده، بل في البصيرة أيضاً
العزيمة السياسية الحقيقية لا تهزمها العواصف لأنها تستمد قوتها من الوطن، أما العزيمة التي تُبنى على المصالح والتحالفات المؤقتة، فإن أول اختبار حقيقي يكشف معدنها، وأول صفعة من الواقع تجعل صاحبها يبحث عن أقرب مخرج،
ولذلك، فإن عبارة (قالوا: الروب!) ليست مجرد تعبير ساخر إنها ربما العنوان الأكثر اختصاراً لمرحلة سياسية كاملة: مرحلة بدأت بالهتاف، ومرت بالتطبيل، وانتهت عند بعض أصحابها إلى اكتشاف متأخر بأن الواقع لا يقرأ البيانات، ولا يصفق للخطب، ولا يرحم من راهن على غير وطنه
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول: السياسة ليست (رَبَّة) حفلة ثم تصفيق… ومن يرفع الطبل اليوم، قد يبحث غداً عن عذرٍ يفسر به لماذا كان يرقص!

