من اعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: اكتبوا مرثيتكم قبل أن يكتبها الشعب

في الشعر العربي، لم ينتظر بعض الشعراء أن يتكفّل الآخرون بجلدهم، فالحطيئة هجا نفسه، وقال: (أرى لي وجهًا قبّح الله خلقهُ) ، وأبو دلامة وجد نفسه يومًا مضطرًا إلى أن يهجو نفسه لينجو من المأزق، أما مالك بن الريب فاختار الطريق الأكثر وجعًا، فكتب مرثيته بنفسه حين أحس بدنو أجله
اليوم يبدو أن بعض صُنّاع الأزمة السودانية، من (صمود) إلى (تأسيس) الخ ، أمام مدرسة شعرية جديدة: لا هجاءً ولا رثاءً، بل مرثية سياسية استباقية!
فقد أكثروا من تغيير الأسماء واللافتات، حتى صار المشهد كأنه محلّ تجاري يغيّر واجهته كلما انصرف الزبائن، بينما المشكلة أن الزبون السوداني نفسه غادر السوق!
ليكتبوا إذن معلقتهم قبل أن يكتبها الشعب: ماذا فعلنا؟ ماذا قدمنا؟ ولماذا يصرّ البعض على العودة إلى المشهد، والشعب يقول بوضوح: شكرًا… انتهت صلاحية العرض؟
مالك بن الريب رثى نفسه لأن الموت اقترب منه، والحطيئة هجا نفسه لأنه لم يجد من يستحق الهجاء أكثر منه
أما هؤلاء، فعليهم أن يفعلوا الأمرين معًا: يهجوا تجربتهم، ثم يرثوا مشروعهم السياسي!
فالسياسة لا تُقيم بعدد المؤتمرات ولا بطول البيانات ولا بكثرة التحالفات، واللافتة الجديدة لا تستطيع أن تغيّر ذاكرة الناس
إني من منصتي أنظر ….حيث أرى…. أن الشعب السوداني لا يحتاج أن يهجوكم ولا أن يرثيكم… يكفي أنه أغلق الباب، ووضع المفتاح في جيبه!.

