موازنات.. الطيب المكابرابي يكتب: اليوم العالمي لحرية الصحافة.. حسرات وعبرات

يحتفل العالم اليوم باليوم العالمي لحرية الصحافة إحياءً لذكرى إعلان ويندهوك، حيث اجتمع الصحافيون الأفارقة في مثل هذا اليوم من العام 1991 ووضعوا إعلانًا يدعو الحكومات لاحترام حرية الصحافة وحقوق الصحافيين وحق المجتمع في الحصول على المعلومات والاطلاع على الآراء دون تقييد.
ونحن في العام السادس والعشرين بعد الألفين، لا بد أن نلتفت خلفنا وننظر إلى العام المنقضي، ولا ننسى النظر في عامنا الحالي الذي انقضى ثلثه، وما حدث فيه والذي قبله من تطورات سالبة وموجبة في حق الصحافة والصحافيين…
آخر الإحصائيات تقول إن العام المنصرم، وبحسب منظمات حقوقية ومعنية بأحوال الصحافة والصحافيين، إن 129 صحافيًا حول العالم قُتلوا، أكثرهم على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
أما في الداخل، فقد أشارت تقارير إلى مقتل حوالي 15 صحافيًا جراء الحرب الدائرة في البلاد، فيما تم أسر الكثيرين والتنكيل بهم على يد مليشيا الدعم السريع لأسباب مرتبطة بأدائهم المهني، فيما لا يزال بعضهم قيد الأسر حتى الآن.
هذا إلى جانب الدمار الكبير والتخريب المتعمد الذي طال الدور الصحفية والمطابع ومقار الإذاعات والقنوات، الأمر الذي انعكس سلبًا على حياة ممارسي مهنة الصحافة، ما اضطر بعضهم وبعض المؤسسات إلى اللجوء إلى أماكن أخرى لممارسة مهنتهم من هناك، ومارس البعض أعمالًا لا علاقة لها بمهنة الصحافة، وظل آخرون بلا عمل ولا كسب طيلة المدة منذ هجوم المتمردين على مواقع عملهم وحتى الآن.
تدهورت المهنة خلال هذه الفترة، وتخلت كثير من المؤسسات المعنية بهذا القطاع عن مسؤولياتها في رعاية الصحافيين والمحافظة على المهنة، حتى ولج من أبوابها المشرعة، دون رقيب، من لا علاقة لهم بها، وأصبحوا بقدرة قادر هم وهن مصدر الخبر وأصحاب الحظوة والمكانة والأعلى صوتًا في هذا الزمان!!
نتحسر على حال الصحافة في يوم الاحتفال بحرية الصحافة، ونحن نرى غثًا يغزو كل المنصات، وشتماً متبادلًا بين صحافيين وصحافيات لم يتخلقوا بأخلاق هذه المهنة، ولم يجعلوا من ميثاق الشرف الصحفي مرجعية لما يكتبون، ولم يعلموا أنهم يسيئون إلى هذه المهنة وإلى ذواتهم بمثل هذا الغث ومتسخ الغسيل الذي ينشرون…
نترحم على زملاء فقدناهم خلال سنيّ الحرب هذه، منهم من قُتل، ومنهم من مات غبنًا، ومنهم من توفي بعيدًا عن الأوطان جراء حرب الجنجويد…
ننتظر، ونحن على أبواب عام جديد، أن يرتفع صوت الحقوقيين وضمير العالم ضد ما يحدث للصحافيين عالميًا، وضد انتهاكات الجنجويد هنا، وأن تتجه المؤسسات المعنية في بلادنا نحو القيام بواجباتها تجاه الصحافة، بالعمل على إعادة إعمار ما دمرته الحرب من دور الصحف والمطابع والإذاعات والقنوات، ولو بقروض ميسرة من المصارف أو بمحفظة تُنشأ لهذا الغرض، وأن تلتفت الجهات المعنية بضبط المهنة وأداء الصحافيين إلى مهمتها ودورها المنوط بها، وأن تُعمل القانون لبتر كل من لا يحترم المهنة ولا القراء عن جسد هذه المهنة، وإبعاده وحرمانه من حمل هذه الصفة التي لا يستحقها إلا ذوو الأخلاق…
وكان الله في عون الجميع.

