يقظة أمنية.. لواء شرطة حقوقي م محمد الحسن جاد الله منصور يكتب: المخدرات… الواقع.. الدوافع.. وطوق النجاة

لم تعد المخدرات تُباع في المناطق المظلمة أو البعيدة. اليوم دخلت المدارس، والجامعات، وحتى مجموعات الأصدقاء على وسائل التواصل الاجتماعي.
والخطر الأكبر أن الضحية الأولى هم الشباب بين 15-30 سنة، لأنها مرحلة بحث عن الهوية والاستقلالية.
أولاً: الواقع اليوم – الصورة اختلفت
- سهولة الوصول: مع وسائل التواصل والتطبيقات المشفرة، صار “التاجر” أقرب من الصديق. بعض المواد الجديدة مثل “الآيس” و”الحبوب المخدرة” تُباع على أنها “منشطات دراسة” أو “وسيلة سهر”.
- تغيير الشكل:
لم تعد هيئة المتعاطي نمطية كما كانت في السابق. كثير منهم متفوقون دراسيًا، أنيقون في المظهر، ومن أسر “مستقرة ومحافظة” ظاهريًا. وهذا يكسر حاجز الخوف عند الشباب.
- الإنكار المجتمعي:
كثير من الأسر تعتبر الموضوع وصمة عار وتتكتم عليه، فيتأخر التدخل مما يفاقم المشكلة.
ثانيًا: لماذا يتعاطى الشباب المخدرات؟
الدوافع الحقيقية وراء أول جرعة
الشباب لا يبدأ بالمخدرات حبًا فيها، بل هربًا من شيء أو بحثًا عن شيء:
- الضغط النفسي والهروب:
ضغط الدراسة، والبطالة، والمشاكل الأسرية، والحروب، والقلق من المستقبل. يُقدَّم المخدر كحل مؤقت لإيقاف المشاعر.
- حب التجربة والفضول:
يضغط الأصدقاء والزملاء بقولهم: “جرّب مرة واحدة، لن تضرك”.
- ضغط الأصدقاء:
80% من حالات البداية تكون مع “الأصدقاء”. الخوف من الإساءة، أو وصمه بأنه خائف أو جبان أو “معقد”، أو عبارة “لست رجلاً” تدفع الشاب للتجربة.
- الفراغ وقلة القدوة:
عندما يكون الشاب بلا هدف، أو رياضة، أو شغف حقي، يملأ المخدر الفراغ ويعطي إحساسًا زائفًا بالإنجاز والنشوة.
- الاعتقادات الخاطئة:
يدعي البعض أنها تساعدهم على المذاكرة، وأنها تجعل الشخص اجتماعيًا خفيف الظل، وأنه يمكنه تركها في أي وقت. وهذه كلها أوهام يروج لها المروجون.
- التفك الأسري وضعف الرقابة:
غياب الحوار بين الآباء والأبناء، واستبداله بالمراقبة الصارمة أو الإهمال التام.
ثالثًا: كيف نقيهم؟ خطة وقاية من عدة محاور
الوقاية ليست محاضرة “المخدرات حرام”. الوقاية بناء قناعة.
- داخل الأسرة: كن الملجأ لا المحقق
– الحوار قبل العقاب:
اسأل ابنك: “ما سبب تغيرك؟” بدلًا من: “من أين أحضرت هذا؟”. الثقة تجعله يحكي لك قبل أن يحكي لصديق السوء.
– راقب دون تجس:
انتبه للتغيرات المفاجئة: العزلة، والكذب، وطلب مبالغ مالية كثيرة، والهبوط الدراسي، والأصدقاء الجدد المجهولين.
– املأ الفراغ:
بالرياضة، والدورات، والسفر، والتطوع. الشاب المشغول بهدف ليس لديه وقت للضياع.
– كن القدوة:
الأب المدمن على السجائر أو الأدوية دون وصفة، أو الأم التي تهرب من مشاكلها، يرسلان رسالة سلبية للأبناء.
- داخل المدرسة والمجتمع: حصّن لا تُخوّف فقط
– التثقيف بالحقائق لا بالرعب:
اطلعهم على صور تبين أثر المخدرات على مخ المتعاطي، واحكِ لهم قصص شباب دمروا مستقبلهم بجرعة واحدة. الخوف المؤقت يزول، لكن المعرفة تثبت.
– مهارات الرفض:
درّب الشاب على قول “لا” بقوة. بجمل جاهزة مثل: “جسدي ليس معمل تجارب”، “أنا أغلى من ذلك”.
– الاكتشاف المبكر والإحالة:
يجب أن يكون في المدارس والجامعات ومراكز الشباب مختص نفسي يستطيع التدخل بهدوء قبل استفحال الأمر.
- على مستوى الفرد: ابنِ مناعتك الذاتية
– حدد هدفك: من ليس له هدف يصبح هدفًا سهلاً. اكتب ثلاثة أشياء تريد تحقيقها بعد خمس سنوات وعلقها أمامك.
– اختر أصدقاءك بعناية:
“الصاحب ساحب”. راقب أصدقاءك: هل يرفعونك إلى الأعلى أم يقودونك إلى الهاوية؟
– تعلم إدارة الضغط بطرق صحية:
بالرياضة، والكتابة، والذكر، والمشي، والفضة مع شخص تثق به. المخدر هو أسوأ طريقة للهروب.
الخلاصة
المخدرات تبيعك وهم “راحة خمس دقائق” مقابل ثمن “عمر كامل”. الشاب لا يحتاج إلى خطبة رنانة أو موعظة، بل يحتاج إلى من يفهمه، ويسمعه، ويثق به، ويقدم له بدائل حقيقية للألم والفراغ.
الوقاية تبدأ بكلمة، وباهتمام، وبأن نشعر أبناءنا أنهم مهمون دون أن يثبتوا ذلك بجرعة.
نسأل الله أن يحمي شبابنا وبلادنا من هذه السموم.

