مقالات

بالواضح.. محمد عثمان الرضي يكتب: “ملناش غير بعض”… من شعار الأخوّة إلى أزمة الباخرة «عُمان» بين السودان ومصر

تتكرر عبارة “ملناش غير بعض” على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كل لقاء يجمعه برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، حتى أصبحت شعارًا شعبيًا يعكس عمق العلاقة بين البلدين.

هذه العبارة لم تعد مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تحولت إلى تعبير صادق عن واقع تاريخي وجغرافي يربط الشعبين المصري والسوداني.

منذ اندلاع الحرب في السودان، برز الموقف المصري كأحد أكثر المواقف وضوحًا وثباتًا تجاه الأزمة.

فتحت مصر حدودها البرية والبحرية والجوية أمام السودانيين دون تردد، في خطوة إنسانية لاقت تقديرًا واسعًا.

تشير التقديرات إلى أن نحو 8 ملايين سوداني لجأوا إلى مصر، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تحملته الدولة المصرية.

هذا الاستقبال لم يكن مجرد استجابة طارئة، بل امتداد لعلاقات تاريخية ضاربة في الجذور بين الشعبين.

على الصعيد السياسي، أعلنت مصر دعمها الكامل لوحدة السودان وسلامة أراضيه واستقراره.

ولم تتغير هذه المواقف رغم تعقيدات المشهد السياسي والعسكري داخل السودان.

في خضم هذه العلاقات المتينة، تفجرت أزمة غير متوقعة على خلفية قرار إداري سوداني.

أصدر وزير النقل السوداني قرارًا بإيقاف الباخرة “عمان” التابعة لشركة كنزي الدولية للملاحة والأنشطة المحدودة.

الشركة يرأسها رجل الأعمال المصري أحمد فؤاد، ما أضفى على القرار أبعادًا تتجاوز الجانب الفني.

القرار فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول توقيته ودوافعه الحقيقية.

خاصة وأنه جاء في وقت حرج يتزامن مع موسم الحج وتفويج الحجاج السودانيين.

مصادر متعددة أشارت إلى أن وزير النقل المصري حاول التدخل لحل الأزمة.

حيث طلب منح الباخرة “عمان” استثناءً مؤقتًا لنقل الحجاج السودانيين.

إلا أن هذا الطلب لم يجد الاستجابة المطلوبة من الجانب السوداني، ما زاد من حدة التوتر.

هذا الرفض أثار دهشة المراقبين، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

وفي خطوة بديلة، دفعت شركة كنزي بالباخرة “دليلة” إلى الخدمة لتعويض النقص.

وقد بدأت “دليلة” فعليًا في نقل الفوجين الأول والثاني من الحجاج السودانيين.

ومن المتوقع أن تستمر في تفويج بقية الحصة وفق الترتيبات المتفق عليها.

لكن المفارقة اللافتة أن الباخرة “عمان” مُنعت من الإبحار من سواكن إلى جدة.

في المقابل، سُمح لها بنقل الركاب من جدة إلى سواكن، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة.

هذا التناقض يثير تساؤلات حول معايير الرقابة البحرية السودانية.

وهل تختلف تلك المعايير عن نظيرتها في المملكة العربية السعودية؟

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تُطبق معايير وشروط إدارة الرقابة البحرية التابعة لهيئة الموانئ البحرية على جميع البواخر الناقلة للركاب دون استثناء؟

في ظل وجود قوانين ولوائح دولية تنظم عمل البواخر وتحدد معايير السلامة وتقييم الأداء، يصبح من اللافت الاعتماد على لائحة داخلية أعدها وزير النقل السوداني.

هذا التداخل بين المرجعيات الدولية واللوائح المحلية يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مدى العدالة والشفافية في تطبيق القرارات.

أم أن هناك اعتبارات أخرى غير معلنة تقف خلف هذا القرار؟

في هذا السياق، أتيحت لي فرصة زيارة الباخرة “دليلة”.

جاءت الزيارة أثناء وداع الفوج الثاني من الحجاج في أجواء إيمانية مؤثرة.

وخلال الجولة، رافقني المدير التنفيذي لشركة كنزي، محمد شحاتة.

وقد قدم شرحًا وافيًا حول جاهزية الباخرة ومستوى الخدمات المقدمة للحجاج.

كما أتاح لي فرصة التواصل المباشر مع رئيس مجلس الإدارة أحمد فؤاد.

والذي أكد بدوره حرص الشركة على خدمة الحجاج السودانيين رغم التحديات.

تبقى الحقيقة الأهم أن من حق الشركة معرفة أسباب إيقاف الباخرة “عمان”.

فغياب الشفافية في مثل هذه القرارات يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات.

وفي نهاية المطاف، تظل العلاقات السودانية المصرية أكبر من أي أزمة عابرة.

لكن إدارة مثل هذه الملفات تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والتنسيق المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى