مقالات

كرّ البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: الرهينة

إن أعظم تكريم للإنسان الضعيف هو حرية العقيدة والاختيار الحر مع الله الكبير المتعال:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ـ الكهف.
بل كان التكريم الأعظم أن ينفخ الله من روحه في هذا العبد الضعيف، لتكون له زادًا ومعينًا، بعد أن خلقه في أحسن تقويم، في الفكر والمشاعر، في الظاهر والباطن، في الشكل والجسم والعقل:
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ ـ السجدة.
وبعد أن أصبح الإنسان مؤهلًا عقلًا وفكرًا وحضورًا، عُرض عليه الميثاق أن يكون متذكرًا لخالقه، ولا يشرك به شيئًا، فرضي بهذا الميثاق، وقرأ بنوده، ووقّع على تنفيذه طوعًا وحبًا:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ـ الأعراف.
إنه ميثاق شرف الإيمان بعد نعمة الخلق وحسن التصوير:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ـ المائدة.
أنت رهين بهذا الميثاق:
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ـ الطور.
وطالما كنت متذكرًا غير غافل، فأنت في طمأنينة وراحة.
ولكن!
هنالك عدو متربص بك، يريد أن يفرض عليك نفسه، ويُلزمك بتعليماته، ويسيطر على أفكارك، ويشتت انتباهك.
إنه الشيطان اللعين، وساعة أن ينتصر عليك تتخلى وتنسى هذا الميثاق:
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ ـ المجادلة.
وهنا يجد الهوى مساحة غالية قد وسّعتها له، فيقضي على البقية من تذكّر وعزيمة:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ـ الكهف.
هنا ـ للأسف ـ يسهل قيادك، فتصبح عبدًا ذليلًا لا تملك من أمرك شيئًا.
قد تعطلت حواسك، وظهر نهم شهوتك وهي تقول: هل من مزيد؟
فلا راحة، ولا سعادة، ولا إشراق روح، ولا سلامة قلب، ولا شفافية نفس، بل ارتكاس وانتكاس وتمرد وعصيان ومجاهرة وعدوان.
نداء للرهينة…
إن أردت إطلاق سراح قلبك، وراحة بالك، ونجاتك، فتذكر الميثاق:
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ـ الأعراف.
فلا تكن من الغافلين الذين لا يزنون يومئذ جناح بعوضة:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ـ الكهف.
هكذا نسيًا منسيًا، قد ضيعت فرصتك، وعطلت حواسك، وكبتَّ صوت الإيمان في قلبك، فأصبحت أعمى البصر والبصيرة، وهكذا تُحشر:
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ـ طه.
إنه النداء الأخير للرهينة:
تفكك من أسر الشيطان والنفس والهوى.
صلِّ واسجد واعبد، وأنت الآن سليم الجسم، تملك الإرادة.
افعلها قبل:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ـ القلم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى