قبل أن تغادر.. م خالد حسن إبراهيم يكتب: الكنكشة في السلطة.. مرض يقتل طموحات شباب السودان

الكنكشة في السلطة مرض متوارث في أنظمتنا العربية وفي بلدنا بالذات وهو يقتل طموحات الشباب للقيادة فالسلطة تفتن من يقترب منها وتجعله أسيراً لها ولا يطيق فراقها وبالرغم من خذلان الجسد والصحة والعقل إلا أنه يظل متشبثاً بها وقد قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ}.
فالمغادرة لا تتم طواعية في أغلب الأحوال، بل تُنتزع انتزاعاً وفي استمرار هذا الحال من التشبث تضيع أحلام الشباب في تولي قيادة البلاد وتحقيق طموحات جيلهم.
في الوقت الذي نجد إبراهيم تراوري ابن الثمانية والثلاثين عاماً يقود بوركينا فاسو بسرعة الصاروخ للقمة، نجد في السودان نماذج لرجال في العقد التاسع من عمرهم يصارعون ليل نهار للبقاء في المشهد القيادي.
ما هي “الكنكشة؟
الكنكشة هي حالة يتحول فيها المنصب من “تكليف عام” إلى “ملكية خاصة”.
وهي لا تنبع حباً للوطن، بل إدماناً للكرسي وحباً للذات فيبدأ المسؤول يرى نفسه هو الحزب وهو الكل في الكل و هو الدولة، والدولة هي هو. فيخاف المغادرة، لأنها تعني في ذهنه الفناء و الموت السياسي والاجتماعي. فيتمسك حتى لو غاب الحضور، وضعف القرار، وصار التوقيع بالختم لا بالرؤية.
حالات “كنكشة” متكررة في تجربتنا السودانية
كنكشة الحزب الواحد: حكم امتد لعقود باسم “لا بديل” حتى صار التغيير جريمة.
كنكشة النقابات والأجسام المهنية: رؤساء اتحادات ظلوا 20 و30 سنة بذات المقعد، فتجمدت الفكرة ومات التجديد.
كنكشة الوزارات السيادية: وزراء يتنقلون من وزارة لوزارة دون أن يفسحوا المجال لكفاءة جديدة.
كنكشة المليشيات والسلاح: من حمل السلاح باسم الحماية، صار يرى الحكم حقاً مكتسباً لا أمانة.
كنكشة المعارضة القديمة: أحزاب عمرها 70 سنة يقودها ذات الوجوه منذ السبعينات، فلا تجدد ولا دماء.
النتيجة واحدة: انسداد الأفق، وهجرة الكفاءات، واليأس من التغيير وانتشار السلبية.
ثمن الكنكشة: شباب محكوم عليه بالانتظار
كل سنة يمكثها الكهل على الكرسي، هي سنة تُسرق من عمر شاب سوداني.
الشاب السوداني اليوم عمره 30 سنة، مهندس، طبيب، مبرمج،إقتصادي، مزارع، له أفكار وطاقة.
لكنه يقف في الطابور خلف من تجاوز الثمانين ويقال له: “انتظر دورك. ”
والنتيجة: 3 ملايين سوداني في المهجر، والباقي بين يأس أو إحباط.
البلد التي لا تُدور فيها القيادة، تدور فيها المقابر والموانئ.
درس من العالم: إبراهيم تراوري نموذجاً
إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو عمره 38 سنة.
جاء في ظروف حرب وإرهاب، ومع ذلك رفع سقف الطموح.
راهن على الشباب، وطرد الشركات الناهبة، وشجع الإنتاج المحلي.
لم يقل “أنا الخبرة الوحيدة”، بل قال “أنا صوت جيلكم”. ” نحن جيل التغيير ”
الشباب لا يريد معجزة، يريد فقط فرصة أن يقود بلده وهو بكامل قواه.
حالات شباب سوداني ناجح كان يحتاج فرصة فقط
في الطب: بروفيسورات سودانيون تحت الأربعين يقودون مستشفيات في ألمانيا وبريطانيا.
في التقنية: شباب سودانيون أسسوا شركات عالمية في دبي والسعودية بملايين الدولارات.
في الزراعة: مهندسون زراعيون من الجزيرة صنعوا نماذج ري حديثة في مصر والسعودية.
في العمل الطوعي: مبادرات “نفرة” و”شارع الحوادث” ” بلسم ” ” طبق الخير ” ” قبضة دقيق ” ” تكايا الخير ” …الخ أدارها شباب بلا ميزانية دولة.
في الرياضة والثقافة: سودانيون حصدوا جوائز عالمية في الرواية والتصميم والبرمجة.
هؤلاء لم ينقصهم العقل ولا الجرأة ولا الشجاعة ولا الإقدام ولا الوطنية ولم ينتظروا دورهم في الكرسي للقيادة بل اثبتوا وجودهم بمكان آخر فمتى تستثمر بلدنا هذه الطاقات وتضعها حيث تثمر لكل أهلنا الغلابة.
تخيل لو أُعطيت ملفات الصحة والتعليم و النفط والطاقة والكهرباءوالزراعة والتعدين لمثل هذه الكفاءات والطاقات الوطنية الخلاقة المبادرة.. ماذا سيحصد الوطن؟.
والدرس من ديننا وتاريخنا
الإسلام نفسه لم يجعل الحكم أبدياً. الشورى، والتداول، و”تنزع الملك ممن تشاء” مبادئ تغيير مستمرة.
قاد أسامة ابن زيد جيشاً يضم كبار الصحابة وهو دون الثامنة عشرة وفتح محمد الفاتح القسطنطينية وهو ابن واحد وعشرين عاما.!
فلنترك الراية لمن يستحقها من الأجيال الشابة ولا ندعي الوصاية وقد قال عمر بن الخطاب : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”
فكيف نستعبد جيلاً كاملاً تحت شعار “لا بديل”؟
وكيف نتشبث نحن بكرسي ضد أبنائنا؟
ماذا يخسر المتشبث؟
يخسر التاريخ. فلا أحد يذكر الحاكم الذي مات على الكرسي بخير.
يذكرون من سلم الراية وهو قوي، لا من نزعت منه وهو ضعيف.
يخسر صحته، لأن القلق من المغادرة مرض.
ويخسر وطنه، لأن البلد الذي تحكمه الشيخوخة السياسية، تحكمه الشيخوخة الاقتصادية.
يخسر طاقات شابة أهدرت دون استغلالها وعقول متقدة أهلكها الإهمال.
حلول مؤسسية ضد الكنكشة
أولاً: حد زمني وسن للترشح: قانون يحدد سقف عمر للترشح للمناصب السيادية، وحدين انتخابيين كحد أقصى.
ثانياً: مجلس شباب للقيادة: يُدرب 500 شاب وشابة سنوياً تدريب قيادي ويُسلمون ملفات حقيقية في الوزارات.
ثالثاً: كوتة شبابية ملزمة:
30% من الوزارات والمجالس التشريعية لعمر أقل من 40 سنة.
رابعاً: ثقافة “التسليم شرف”: تكريم من يغادر طوعاً كما نكرم من ينجح ونكرم أكثر من يصنع البديل المؤهل ويحرص على ذلك.
رسالة مباشرة للمتشبثين في بلادي
أيها السادة، الكرسي ليس ملككم. هو أمانة أهل السودان.
الأمانة تُسلم، لا تُورث ولا تُحتكر.
إذا أحببتم السودان فعلاً، فأفسحوا المجال لمن يستطيع أن يجري به.
الحياة لا تنتهي بإبتعادكم عن المنصب هناك نشاطات جميلة تناسب سنكم.
من الجميل أن ترى الوزارة او المؤسسة او المرفق الذي كنت تقوده يتقدم بمن تربى على يديك.
الفخر كل الفخر أن ترى من وضعت لبناته وأسسه يحلق عاليا ويفتخر بك ويذكرك بالخير من في رئاسته.
أيها الكهول شباب بلادي يهمسون في آذانكم :
الكنكشة في السلطة ليست قوة، بل ضعف.
القوي هو من يغادر وهو في القمة، لا من يُسحب منها وهو في القاع.
السودان لا ينقصه الشباب الأكفاء، ينقصه الكبار الشجعان.
الشجعان يدركون أن عظمة القائد في يوم مغادرته، لا في طول بقائه.
نموذج “تراوري” موجود في بلادنا ولكنكم بسبب “الكنكشة” لا ترونه ..أفسحوا المجال.. لترونه.
ارحلوا طوعاً، قبل أن تُنزعوا كرهاً.
لأن الوطن أكبر من الأشخاص، والمستقبل للشباب لا لرهائن الكرسي.

