التعدي على أراضي الرهد الزراعية.. الهيئة تبدأ معركة استرداد الحقوق

الفاو: عبد العليم الخزين
لم يكن الاجتماع الذي احتضنته محلية الفاو اجتماعاً إدارياً عادياً، بل حمل في طياته رسالة واضحة بأن ملف الأراضي التابعة لهيئة الرهد الزراعية دخل مرحلة جديدة عنوانها الحسم واسترداد الحقوق. فالسنوات الماضية تركت وراءها تركة ثقيلة من التعديات والإجراءات التي طالت مساحات زراعية وسكنية تابعة للمشروع، الأمر الذي فرض على إدارة الهيئة الحالية التحرك بصورة عاجلة لإعادة ترتيب هذا الملف وحماية واحدة من أكبر المؤسسات الزراعية في السودان.
وفي هذا الإطار، قاد مدير هيئة الرهد الزراعية الدكتور هاني أحمد مصطفى وفداً ضم المستشار القانوني مولانا أزهري محمد علي، ومدير الهندسة المدنية المهندس عز الدين العوض، ومدير التخطيط المهندس صلاح ضرار، إلى محلية الفاو، حيث عقد سلسلة مباحثات مع المسؤولين بالمحلية لبحث القضايا المرتبطة بأراضي الهيئة وسبل المحافظة عليها.
واستقبل الوفد المدير التنفيذي لمحلية الفاو بالإنابة بشير قسم الله، بحضور مدير المرافق العامة المهندس عثمان العوض، وممثل التخطيط العمراني، إلى جانب المدير الإداري الهميم المبشر، في لقاء اتسم بالصراحة وتناول مختلف القضايا المتعلقة بالأراضي الزراعية والسكنية التابعة للهيئة.
واستعرض المجتمعون حجم التحديات التي تواجه هيئة الرهد الزراعية، وفي مقدمتها التعديات التي طالت الأراضي الحكومية خلال السنوات الماضية، مؤكدين ضرورة تطبيق قرار مجلس الوزراء القاضي بعدم التعدي على الأراضي الحكومية الزراعية والسكنية، والعمل على تنفيذ القانون بما يحفظ حقوق الدولة ويصون ممتلكاتها.
وأكد المستشار القانوني مولانا أزهري محمد علي أن هيئة الرهد تمتلك مستندات قانونية واضحة تثبت ملكيتها للأراضي محل النزاع، مشيراً إلى أن بعض الجهات والأفراد شرعوا في اتخاذ إجراءات لتسجيل أراضٍ تعود ملكيتها للهيئة، الأمر الذي استدعى تحريك إجراءات قانونية لإيقاف تلك المحاولات واستعادة الحقوق.
وأوضح أن الهيئة لن تتهاون في حماية ممتلكاتها، وأنها تمضي وفق الأطر القانونية المعمول بها لضمان المحافظة على الأراضي التي تمثل جزءاً أساسياً من أصول المشروع، مشدداً على أن سيادة القانون هي الطريق الوحيد لمعالجة هذا الملف.
من جانبه، قدم مدير التخطيط المهندس صلاح ضرار عرضاً فنياً تناول فيه الخارطة الكاملة للأراضي التابعة للهيئة، موضحاً أنها تمتد من القسم الأول وحتى القسم العاشر، وتشمل مساحات زراعية وسكنية تمثل رصيداً استراتيجياً للمشروع.
وأشار إلى أن هذه الأراضي تعرضت خلال سنوات سابقة لإجراءات وصفها بالمجحفة، تمثلت في تحويل أجزاء منها إلى استخدامات أخرى، الأمر الذي انعكس سلباً على مستقبل المشروع وإمكاناته الاستثمارية.
وأضاف أن بعض القرارات التي اتخذت في فترات سابقة أسهمت في فقدان الهيئة أجزاء من أراضيها، مؤكداً أن الإدارة الحالية تعمل على مراجعة جميع الملفات المتعلقة بهذا الجانب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاسترداد الحقوق وحماية ما تبقى من الأراضي.
وأوضح أن الهيئة بدأت بالفعل في تحريك ملفات قانونية ضد كل من ثبت تعديه على الأراضي الزراعية أو السكنية، مؤكداً أن الهدف ليس الدخول في نزاعات، وإنما فرض سيادة القانون والمحافظة على ممتلكات الدولة للأجيال المقبلة.
بدوره، أكد مدير المرافق العامة المهندس عثمان العوض أن جميع الأراضي الواقعة داخل مشروع الرهد تعد ملكاً للهيئة، مبيناً أن ما حدث من تعديات يعود في جزء كبير منه إلى حالة التساهل التي صاحبت إدارات سابقة، وهو ما فتح الباب أمام تجاوزات متعددة.
وأضاف أن التفريط في بعض الأراضي وتحويلها إلى استخدامات سكنية أو التصرف فيها بعيداً عن مصلحة المشروع كان سبباً رئيسياً في تعقيد هذا الملف، داعياً إلى التعامل معه بحزم حتى تستعيد الهيئة كامل حقوقها.
وأشار إلى أن مشروع الرهد لا يمثل مجرد رقعة زراعية، بل يعد مشروعاً قومياً ينبغي الحفاظ على موارده باعتبارها ملكاً للدولة وللأجيال القادمة، مؤكداً أن الأراضي المتاحة يمكن أن تشكل مستقبلاً قاعدة للاستثمار الزراعي والصناعي إذا أحسن استغلالها.
كما قدم المهندس عثمان، مستفيداً من خبرته الطويلة في ملفات الأراضي بمحلية الفاو، شرحاً تفصيلياً حول الجوانب الفنية والقانونية المرتبطة بحدود المشروع وملكياته، موضحاً أن هذه المعلومات ستسهم في دعم جهود الهيئة خلال المرحلة المقبلة.
من جهته، أوضح مدير هيئة الرهد الزراعية الدكتور هاني أحمد مصطفى أن الإدارة الحالية ورثت ملفات معقدة تتعلق بالتعديات على الأراضي الزراعية والسكنية، إضافة إلى تجاوزات طالت الغابات والمصارف والترع والمواجر، فضلاً عن تخصيصات مؤقتة وشهادات بحث استخرجت لبعض المواقع بالمخالفة للقوانين المنظمة للأراضي الحكومية.
وأكد أن الهيئة عازمة على معالجة هذه الملفات بصورة قانونية، بالتنسيق مع الجهات العدلية والسلطات المختصة، حتى تستعيد جميع الأراضي التابعة للمشروع وتحافظ عليها باعتبارها جزءاً من مقدرات الدولة.
وأضاف أن حماية الأراضي لا تقل أهمية عن زيادة الإنتاج الزراعي، لأن المحافظة على الموارد تمثل الأساس الذي تقوم عليه خطط التنمية المستقبلية، مشيراً إلى أن الهيئة تنظر إلى هذا الملف باعتباره أولوية قصوى خلال المرحلة المقبلة.
وشدد على أن المشروع يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله لاستعادة مكانته كأحد أكبر المشاريع الزراعية في السودان، غير أن ذلك يتطلب الحفاظ على أراضيه، ومنع أي تعديات جديدة قد تؤثر على خطط التطوير والاستثمار.
من جانبه، أعلن المدير التنفيذي لمحلية الفاو بالإنابة بشير قسم الله التزام المحلية بتقديم كل أشكال الدعم لهيئة الرهد الزراعية، مؤكداً أن حماية الأراضي الحكومية مسؤولية مشتركة بين جميع مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المحلية ستعمل بتنسيق كامل مع إدارة الهيئة لضمان تنفيذ القوانين، ومساندة الجهود الرامية إلى استرداد الأراضي المتعدى عليها، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإداري وحماية حقوق الدولة.
وأكد أن التواصل بين المحلية والهيئة سيستمر خلال المرحلة المقبلة لوضع آليات مشتركة لمعالجة القضايا العالقة، إلى جانب دعم القطاع الزراعي الذي يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي ومعاش المواطنين.
كما دعا إلى توحيد الجهود من أجل تطوير مشروع الرهد الزراعي، والاستفادة من التقانات الزراعية الحديثة لرفع الإنتاج والإنتاجية، مؤكداً أن مستقبل التنمية بالمنطقة يرتبط بصورة مباشرة بنجاح المشروع واستقرار أوضاعه.
واختُتم الاجتماع بالتأكيد على أن حماية أراضي هيئة الرهد الزراعية ليست قضية تخص إدارة المشروع وحدها، وإنما تمثل مسؤولية وطنية ترتبط بالحفاظ على الموارد العامة وتعزيز الأمن الغذائي، مشددين على أن المرحلة المقبلة ستشهد تنسيقاً أكبر بين الهيئة والسلطات المحلية والجهات العدلية لضمان تنفيذ القانون، واسترداد الحقوق، وتهيئة البيئة المناسبة لانطلاقة جديدة تعيد لمشروع الرهد مكانته كأحد أهم المشاريع الزراعية الاستراتيجية في السودان.

