خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: تعويضات الحرب وجبر الضرر: هل هو حق للضحايا؟ حالة السودان

مقدمة
تُعد مسألة تعويض ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة من أكثر القضايا إشكالية في القانون الدولي المعاصر. فبينما يقر القانون الدولي، نظرياً، بحق الضحايا في الحصول على تعويضات وجبر للضرر، تواجه هذه الحقوق عقبات جمة على أرض الواقع، خاصة في حالات النزاعات الممتدة والمعقدة كالحال في السودان. فالحرب الدائرة رحاها حالياً في السودان قد أحدثت أضراراً جسيمة بالمواطنين والبلاد على حد سواء، إذ مورست فيها انتهاكات بليغة انتهكت حقوق الإنسان السوداني، وانتهكت حقوقه المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. يُقدر عدد القتلى وفقاً لتقديرات منظمات دولية بـ 150,000 قتيل، فيما تتجاوز أعداد النازحين واللاجئين 16.5 مليون ما بين نازح داخل السودان ولاجئ خارجه. وتشير تقديرات رسمية إلى أن حجم الخسائر الناجمة عن عمليات السرقة والنهب تقارب مبلغ 150 مليار دولار.
يتناول هذا المقال الإطار القانوني لحق ضحايا الحرب في التعويض، مستعرضاً الأسس التي يقوم عليها هذا الحق في القانون الدولي، ثم ينتقل إلى تحليل حالة السودان كنموذج يعكس الفجوة بين الحق النظري وإمكانية تحققه على أرض الواقع، مع استعراض التحديات التي تواجه ضحايا النزاع السوداني في سعيهم للحصول على جبر الضرر.
أولاً: الإطار القانوني لحق الضحايا في التعويض
مسؤولية الدولة كأساس للتعويض
يُعد مبدأ مسؤولية الدولة حجر الزاوية في نظام التعويضات بموجب القانون الدولي. فالقاعدة المستقرة في القانون الدولي تنص على أن أي عمل غير شرعي أو انتهاك لالتزام بموجب القانون الدولي يؤدي إلى إنهاض التزام بجبر الأضرار. وقد أرست محكمة العدل الدولية مبدأ التعويض الكامل عن الضرر المباشر، والذي أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي. وتنص المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على التزام الدولة المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني بالتعويض الكامل عن الخسائر أو الأذى الذي تسببت به الانتهاكات.
تطور مفهوم حق الفرد في التعويض
تقليدياً، كانت التزامات التعويض تنشأ فقط بين الدول، حيث كانت الدولة المتضررة هي التي تطالب الدولة المسؤولة بالتعويض نيابة عن مواطنيها. لكن تطور قانون حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية أدى إلى تعزيز مفهوم أن للأفراد حقاً مستقلاً في الحصول على جبر الضرر. وقد تجلى هذا التطور في إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة، وكذلك في المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي (قرار الجمعية العامة 60/147).
وقد أكدت هذه المبادئ أن جبر الضرر يجب أن يشمل أربعة عناصر أساسية: رد الحقوق المسلوبة، التعويض المادي، إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، وضمانات بعدم تكرار الانتهاكات. كما يشمل جبر الضرر أشكالاً متعددة كالتعويضات الفردية والجماعية، وإعادة التأهيل النفسي والجسدي، والاعتذار العام.
دور المحكمة الجنائية الدولية
تتيح المادة 75(2) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إصدار أمر بالتعويضات مباشرة ضد الشخص المدان، بما في ذلك الرد والتعويض وإعادة التأهيل. وهذا يمثل نقلة نوعية في إمكانية وصول الضحايا إلى التعويض، حيث لم يعد الأمر مقصوراً على المساءلة بين الدول.
ثانياً: الفجوة بين الحق النظري والواقع العملي
رغم هذا التطور الملحوظ في الاعتراف بحق الضحايا في التعويض، تواجه هذه الحقوق عقبات جوهرية تحول دون تحققها على أرض الواقع:
الطبيعة غير الملزمة للمبادئ التوجيهية
على الرغم من أهمية المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، إلا أنها ليست معاهدة ملزمة قانوناً، بل هي مبادئ توجيهية تفتقر إلى القوة الإلزامية المباشرة. وهذا يعني أن الدول ليست ملزمة قانوناً بتنفيذها، مما يترك مجالاً واسعاً للاجتهاد والتفسير.
غموض العلاقة بين التزام الدولة وحق الفرد
لا يزال القانون الدولي يفتقر إلى وضوح كافٍ بشأن ما إذا كان التزام الدولة بالتعويض يترتب عليه حق فردي قابل للتنفيذ أمام القضاء. ففي سياق اتفاقيات السلام، قد يتم تبادل حق الفرد في التعويض مقابل اعتبارات سياسية أوسع تتعلق بالاستقرار والمصالحة.
معضلة “الأضرار الجانبية”
يركز الإطار القانوني الحالي بشكل أساسي على التعويض عن “الأعمال غير المشروعة”. أما ضحايا “الأضرار الجانبية” الناتجة عن أعمال حرب قانونية، فلا يحق لهم عادةً الحصول على تعويض بموجب القانون الدولي الحالي، مما يخلق فجوة كبيرة في حماية المدنيين.
ثالثاً: حالة السودان – بين الحق النظري والواقع المرير
تُعد حالة السودان مثالاً صارخاً على الفجوة بين الاعتراف القانوني بحق الضحايا في التعويض وإمكانية تحققه فعلياً.
انتهاكات جسيمة للقانون الدولي
تشهد السودان منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023 انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. وقد حذرت بعثتا تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من استمرار هذه الانتهاكات التي يرتكبها جميع أطراف النزاع. وأشار مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى أن الوضع المروع في السودان هو نتيجة لانتهاكات جسيمة وصارخة للقانون الدولي الإنساني. وقد امتد القتال من الخرطوم إلى دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان والجزء الشرقي من البلاد.
المطالبة بالحق في التعويض
أكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن “حق التعويض” يشكل أحد الدعائم الأربعة لتحقيق المساءلة في السودان. وشددت البعثة على أن جميع جهود المساءلة يجب أن تكون محورها الضحية. وقد أطلقت حملات سودانية مثل حملة “عائدون” التي تضم قانونيين ومتخصصين، لتأكيد وضمان حق المتضررين في التعويضات بحشد أكبر قدر ممكن من الأسر المتضررة.
إدانة علي كوشيب وسؤال التعويضات
في 6 أكتوبر 2025، أدانت المحكمة الجنائية الدولية القائد في ميليشيات الجنجويد، علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ”علي كوشيب”، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسان. وتمثل هذه الإدانة اعترافاً مهماً بالمعاناة الهائلة التي عاناها الضحايا. ومع ذلك، لا يزال سؤال التعويضات الفعلية لهؤلاء الضحايا مفتوحاً، حيث يتطلب الأمر إجراءات معقدة لتحديد أشكال التعويض المناسبة للضرر الذي لحق بالضحايا.
وقد قدمت هيئة التنسيق العامة لمخيمات النازحين واللاجئين في السودان مذكرة “صديق المحكمة” في إجراءات التعويض أمام المحكمة الجنائية الدولية، توثق الضرر الفردي والجماعي الذي عانته قبيلة الفور لأكثر من عقدين، وتدعو إلى تعويضات هادفة تتمحور حول الضحية وتستند إلى التشاور المجتمعي. وتؤكد المذكرة أن التعويضات ليست مادية فحسب، بل هي أيضاً تتعلق بالحقيقة والاعتراف والكرامة. وتطالب المذكرة المحكمة بالاعتراف بأن قبيلة الفور استُهدفت بسبب عرقها، وأُزيلت ظلماً من أرضها، وأن لها الحق في العودة.
التعويضات التاريخية: بريطانيا والسودان
إلى جانب تعويضات النزاع الحالي، يطالب السودانيون بتعويضات عن الحقبة الاستعمارية البريطانية (1899-1956). فوفقاً لتقديرات اقتصادية مستقلة، بلغت خسائر السودان نتيجة نهب الموارد والسياسات الاستعمارية ما يناهز 700 مليار دولار بأسعار اليوم. لكن المملكة المتحدة تظل الاستثناء الأبرز بين الدول الاستعمارية، فهي الدولة الاستعمارية الوحيدة التي لم تقدم أي تعويضات رسمية للسودان، وتعتبر ملف التعويضات “مغلقاً”.
العراقيل التي تحول دون حصول الضحايا على تعويضاتهم
تواجه جهود الحصول على التعويضات في السودان عقبات جمّة:
• استمرار العنف وعدم الاستقرار: فالنزاع مستمر في التوسع، والأولوية القصوى تبقى لحماية المدنيين وإنقاذ الأرواح.
• الإفلات من العقاب: فانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة ظلت لفترة طويلة دون مساءلة فعالة.
• غياب الآليات الفعالة: تفتقر السودان إلى آليات وطنية أو دولية فعالة للتعويض، مما يجعل من الصعب على الضحايا الحصول على جبر ضرر ملموس.
• غياب الإرادة السياسية: فالتعويضات تتطلب وجود حكومة مستقلة قادرة على الالتزام بعملية العدالة الانتقالية.
• التعقيدات القانونية والإجرائية: فحتى في حالة إدانة المحكمة الجنائية الدولية، تظل عملية تحديد وتوزيع التعويضات معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً.
خاتمة
يُقر القانون الدولي بحق ضحايا الحرب في التعويض وجبر الضرر، وقد تطور هذا الحق بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة من خلال المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة وآليات المحكمة الجنائية الدولية. غير أن حالة السودان تكشف عن الهوة العميقة بين الاعتراف النظري بهذا الحق وإمكانية تحققه على أرض الواقع.
فبالنسبة لضحايا النزاع في السودان، يظل حقهم في التعويض حقاً معترفاً به قانوناً، لكن استمرار النزاع، وغياب المساءلة الفعالة، وعدم وجود آليات تعويض عملية، كلها عوامل تحول دون تحول هذا الحق من حبر على ورق إلى واقع ملموس. وكما أكد الخبراء، “لا عدالة بدون تعويض”. ولتحقيق العدالة لضحايا السودان، لا بد من تضافر الجهود الدولية والإقليمية والمحلية لإنشاء آليات فعالة للتعويض، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وضمان عدم تكرار المأساة. إن تحقيق التعويض ليس مجرد التزام قانوني، بل هو واجب أخلاقي وإنساني تجاه ملايين الضحايا الذين فقدوا أحباءهم وممتلكاتهم وكرامتهم في واحدة من أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

