مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: مشاهد توديع السفراء الأكثر استفزازاً.. دبلوماسية الترف في زمن الحرب واقتصاد الجوع!

هل يعقل أن تخوض دولة حرباً تستنزف مواردها، وتفقد أبناءها، وتبحث عن كل دولار لتوفير السلاح والعتاد، بينما تنشغل بعض مؤسساتها بمراسم توديع السفراء وحقائب الوزراء التي لا تكاد تستقر حتى تستعد لرحلة جديدة؟! إنها مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، بل إلى قدر من الإحساس بمأساة وطن لم يعد يحتمل ترف الإنفاق ولا رفاهية المجاملات البروتوكولية.

في عهد الرئيس الأسبق الراحل جعفر نميري، اتُّخذت قرارات بتقليص التمثيل الدبلوماسي السوداني بالخارج في إطار سياسات التقشف وترشيد الإنفاق. واليوم، والسودان يعيش حرباً مفتوحة وأزمة اقتصادية خانقة، يبدو أن استدعاء تلك التجربة ليس ترفاً تاريخياً، بل ضرورة تستوجب مراجعة حجم الإنفاق الدبلوماسي، ومدى تناسبه مع إمكانات الدولة وأولوياتها الراهنة.

مشاهد توديع السفراء إلى العواصم العربية والأوروبية أصبحت من الأخبار الاعتيادية التي تتصدر وسائل الإعلام، وكأن البلاد تعيش موسماً دبلوماسياً للاحتفاء بالمغادرين، لا حرباً تستدعي مراجعة كل بند من بنود الصرف. وبينما تتكرر صور الابتسامات والمصافحات أمام عدسات الكاميرات، تتكرر أيضاً صور النزوح والجوع والمرض، ويظل المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف في معادلة الإنفاق الحكومي.
الدبلوماسية ليست فندقاً خمس نجوم، والسفارة ليست محطة امتيازات مفتوحة، والسفير ليس سائحاً يحمل جوازاً دبلوماسياً على حساب خزينة دولة تنزف. فالمناصب الدبلوماسية تكليف ومسؤولية، وليست فرصة لتحسين الأوضاع المعيشية أو الاستمتاع بامتيازات الإقامة في العواصم الخارجية.

أما بعض الوزراء، فقد أصبح السفر الخارجي حاضراً في أجنداتهم بصورة تثير التساؤل؛ فما إن يعود أحدهم من رحلة حتى تبدأ الاستعدادات لرحلة أخرى. وكأن حقيبة السفر أصبحت جزءاً من الهيكل التنظيمي لبعض الوزارات، بينما تظل الملفات الداخلية معلقة، والقرارات حبيسة المكاتب، والنتائج غائبة عن حياة المواطنين. فهل أصبحت إدارة الدولة تُقاس بعدد الرحلات الخارجية أم بما يتحقق على أرض الواقع؟.

لسنا ضد سفر الوزراء أو مشاركة السفراء في المحافل الدولية، فالعلاقات الخارجية ضرورة سياسية واقتصادية، وقد تفتح أبواباً للتعاون والدعم والاستثمار. لكننا ضد السفر الذي لا يعرف أحد جدواه، والرحلات التي تنتهي بصور تذكارية وتصريحات إنشائية دون أن تترك أثراً ملموساً في مصالح السودان. فالأختام على جوازات السفر ليست إنجازاً، والصور التذكارية ليست حصيلة عمل.

ومن حق الرأي العام أن يعرف حجم ما تنفقه الدولة على تذاكر السفر والإقامة والبدلات والنثريات والوفود المصاحبة، وأن يطّلع على المعايير التي تحدد ضرورة الرحلة وجدواها. فالأموال العامة ليست ملكاً للمسؤول حتى ينفقها دون كشف حساب، كما أن شركات الطيران قد تستفيد من حركة سفر المسؤولين، لكن المستفيد الأول الذي ينبغي أن تحمي الدولة مصالحه هو المواطن الذي يدفع ثمن الأزمة من قوته ومعيشته.

الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، مطالب اليوم بالتدخل ووضع ضوابط صارمة للسفريات الخارجية لكبار المسؤولين. فالمسؤولية السياسية لا تقتصر على إدارة المعركة، بل تشمل أيضاً حماية الموارد العامة وتوجيهها إلى الأولويات التي تفرضها الحرب. ولا يعقل أن تُترك هذه المسألة لاجتهادات المسؤولين ومزاجهم، بينما تتعامل الدولة مع الأزمة الاقتصادية بمنطق الطوارئ.

المطلوب قرار واضح يُخضع سفر كبار المسؤولين لموافقة مسبقة ومعايير محددة، ويربط كل رحلة بهدف معلن ونتائج قابلة للتقييم، مع وضع سقوف للإنفاق ومراجعة إجمالي تكلفة السفريات منذ اندلاع الحرب. فالرحلة الرسمية ينبغي أن تكون ضرورة وطنية، لا امتيازاً إدارياً، وينبغي أن يعود المسؤول منها بما يثبت أن ما أُنفق من المال العام كان في محله.

ووزير الخارجية السفير محيي الدين سالم مطالب بدوره بمراجعة شاملة لأداء سفارات السودان بالخارج منذ بداية الحرب، وتقديم كشف حساب حقيقي للرأي العام، لا نشرة علاقات عامة تستعرض الأنشطة والاجتماعات والمناسبات البروتوكولية. المطلوب معرفة ما حققته كل بعثة من مكاسب سياسية ودبلوماسية واقتصادية، وما قدمته من دعم للسودانيين، وما إذا كانت تكلفة وجودها تتناسب مع حجم أدائها.

وينبغي أن تشمل هذه المراجعة تكلفة البعثات، وعدد العاملين، والرواتب والبدلات والإيجارات والمصروفات التشغيلية، ثم مقارنة ذلك بالنتائج الفعلية. وعلى ضوء هذه المراجعة، يمكن إعادة توزيع الكوادر ودمج بعض البعثات أو تقليصها حيث تقتضي المصلحة الوطنية، وتوجيه الموارد إلى العواصم التي تملك فيها الدبلوماسية السودانية فرصاً حقيقية للتأثير وخدمة مصالح البلاد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الدبلوماسية إلى نشاط إداري منفصل عن واقع الحرب، وأن تصبح السفارات مؤسسات تستهلك الموارد دون أن تقدم للرأي العام ما يثبت جدواها. فالدولة التي تخوض حرباً لا تستطيع إدارة بعثاتها الخارجية بعقلية أوقات الرخاء، ولا يجوز أن تستمر الامتيازات القديمة وكأن شيئاً لم يحدث.

آن الأوان لأن تنتقل الدولة من ثقافة الاحتفاء بالرحلات إلى ثقافة تقييم النتائج، ومن نشر صور التوديع والاستقبال إلى نشر تقارير الأداء والإنجاز. فالسودان لا يحتاج إلى دبلوماسية كثيرة الحركة قليلة الحصاد، وإنما إلى دبلوماسية تعرف أين تذهب، ولماذا تذهب، وماذا تحقق عندما تعود.

وإذا كان السودان قد احتاج في عهد نميري إلى مراجعة حجم تمثيله الدبلوماسي وترشيد نفقاته، فإن حاجته اليوم إلى مراجعة أشمل وأعمق باتت مضاعفة. فالحرب لا تمنح المسؤولين حصانة من المساءلة، بل تجعلها أكثر إلحاحاً، وكلما اشتدت الأزمة ارتفعت مسؤولية من يديرون المال العام.

السودان لا تنقصه مراسم توديع السفراء، ولا الصور التذكارية والابتسامات البروتوكولية؛ ما ينقصه إدارة تعرف قيمة الدولار، وتحترم دماء الشهداء، وتضع معاناة المواطنين فوق امتيازات المسؤولين. لا نريد أن تتحول السفارات إلى محطات استنزاف لخزينة دولة محاصرة بالحرب، ولا أن يصبح الوزراء أكثر ارتباطاً بصالات المطارات من ارتباطهم بمكاتبهم ومؤسساتهم.

فإذا كان المواطن قد دفع ثمن الحرب من أمنه وبيته ولقمة عيشه، فمن غير المقبول أن يدفع أيضاً ثمن دبلوماسية لا تقدم له كشف حساب.

التقشف ليس خطبة تُلقى على الفقراء، ولا شعاراً يُرفع في وجه الموظفين والعمال؛ التقشف يبدأ من القصور والمكاتب والامتيازات والوفود الرسمية. أما أن يُطلب من الشعب شد الحزام حتى الاختناق، بينما تظل حقائب المسؤولين جاهزة للرحلة التالية، فذلك ليس تقشف دولة في زمن الحرب، بل مفارقة سياسية تستحق المساءلة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى