مقالات

الباقر عكاشة عثمان يكتب: الحوار السوداني السوداني وكشف الأقنعة

الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بقيام حوار سوداني ـ سوداني داخل البلاد مع استثناء كل من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين جاءت كالصاعقة على القوى التي ظلت تتذرع بحجج واهية لتبرير ابتعادها عن الداخل احيانا بعدم تجديد الجوازات ومرة اخرى بدواعٍ أمنية وسياسية لا تصمد أمام الواقع ولا تقنع الشارع السوداني الذي ظل يدفع ثمن الحرب والمعاناة.
هذه الدعوة وضعت الجميع أمام اختبار حقيقي هل الانحياز للوطن يكون بالحضور وسط الجماهير وتحمل المسؤولية أم عبر البيانات الصادرة من الفنادق والعواصم البعيدة؟ وهل يمكن لمن يدّعي تمثيل الشعب أن يظل بعيدا عن نبض الشارع ومعاناة المواطنين؟

وفي الوقت الذي يحاول فيه البعض التقليل من شأن استسلام قادة التمرد الذين عادوا إلى صف الوطن وفق الضوابط واللوائح المنظمة لعمل الجيوش في الحروب يتناسون أن الحروب في كل أنحاء العالم تنتهي عادة بثلاثة مسارات لا رابع لها: انتصار في الميدان أو استسلام أو اتفاقيات سياسية. وبالتالي فإن عودة المقاتلين وإلقاء السلاح تظل مكسبا وطنيا يحقن الدماء ويفتح الباب أمام الاستقرار وإعادة البناء دون المساس بالحق الخاص ولعل المفارقة الكبرى أن رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك نفسه تحدث في خطاب استقالته ان أبرز إنجازات فترته اتفاق جوبا للسلام وهو الاتفاق الذي ضم حركات كانت تحمل السلاح ضد الدولة بما فيها حركات ارتبط اسمها بأحداث دامية مثل غزو الخرطوم بقيادة خليل إبراهيم وهنا يبرز السؤال المنطقي لماذا يصبح وضع السلاح عبر الاتفاق السياسي إنجازا وطنيا بينما يصبح الاستسلام والعودة للوطن موضع سخرية أو تشكيك؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هل الضربة السياسية التي تلقتها مجموعة “صمود” بعد دعوة الحوار ستدفعها للنزول إلى الشارع ومواجهة الواقع وسط الجماهير في الخرطوم؟ وهل ستقيم ليالي سياسية وسط الجماهير أم ستواجه ذات المصير الذي واجه بعض من حاولوا تحريك الشارع في بري وغيرها حين جاء الرد الشعبي مختلفا عن توقعاتهم؟

فالمرحلة المقبلة تبدو مختلفة والعنوان الأبرز فيها أن الداخل أصبح ساحة الفعل الحقيقي وأن الرهان على الخارج يفقد بريقه يوما بعد يوم خاصة بعد التحولات الكبيرة التي فرضتها الوقائع الميدانية والسياسية ومن الواضح أن الحوار المرتقب إذا كتب له النجاح سيفضي في نهاية المطاف إلى قيام مؤتمر دستوري حقيقي يناقش قضية جوهرية ظلت تؤرق السودانيين لعقود طويلة: كيف يُحكم السودان؟ وفي رايي الأقرب إلى الواقع اليوم هو الاتجاه نحو تنزيل الحكم الفيدرالي إلى أرض الواقع بصورة عملية تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها بحيث يختار كل إقليم حكومته بعيدا عن هيمنة المركز مع الاستفادة من موارده بنسبة قد تصل إلى 80% لتوظيفها في التنمية والخدمات والبنية التحتية، أسوة بالتجارب المطبقة في إقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وفي المقابل تبقى المؤسسات السيادية ممركزة باعتبارها مؤسسات سيادية تمثل الدولة السودانية وعلى رأسها القوات المسلحة ووزارة الخارجية والمجلس السيادي والاحتفاظ بالعملة مع منح الأقاليم مسؤوليات أكبر في إدارة الأمن الداخلي وجذب الاستثمارات واستغلال الموارد وفق رؤية تحقق العدالة التنموية وتُنهي حالة التهميش التاريخي التي ظلت أحد أبرز أسباب النزاعات في البلاد.

إن السودان بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها، ويبدو أن معادلة الحكم نفسها تتجه نحو إعادة صياغة كاملة، عنوانها توزيع السلطة والثروة وتقليص قبضة المركز وبناء دولة تقوم على الشراكة الحقيقية لا الاحتكار السياسي بالصوت العالي او توازن القوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى