خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: كليبتوقراطية الخراب: كيف يلتهم الفساد جسد السودان

ليس السودان اليوم مجرد دولة تخوض حرباً أهلية، بل هو مختبر حي لمرض سياسي واجتماعي عضال اسمه “الكليبتوقراطية”، أو حكم اللصوص. هذا المرض ليس وليد اللحظة، لكنه تجذّر في عروق الدولة لعقود، وتفجّر في الأعوام الأخيرة ليصبح الطابع الرسمي للحكم والعلاقات الاجتماعية. إن ما نشهده من نهب للمال العام، وسرقة للممتلكات الخاصة، وتفكك للمؤسسات، ليس مجرد انهيار أخلاقي طارئ، بل هو منظومة متكاملة صُنعت بعناية للتدمير العقد الاجتماعي ومنظومة المجتمع تاسوداني ككل وعلى حساب دماء الشعب ومستقبله. إن هذه هي الكليبتوقراطية هي الداء الذي يلتهم السودان من الداخل، قبل أن تلتهمه القنابل من الخارج.
أولاً: الجذور التاريخية للفساد المؤسسي
لم يأت فساد الدولة السودانية بين عشية وضحاها. فمنذ عهد نظام الإنقاذ في عام 1989، تم تحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات لعصابات مسلحة وأجهزة أمنية. لم يكن الفساد عرضاً عارضاً، بل كان جوهر العقد الاجتماعي؛ إذ تم إدماج شحصيات محددة في الاقتصاد، عبر شركات وهمية، واحتكارات للتجارة الخارجية، وسيطرة على منافذ الذهب والصرافة. أصبحت الدولة مجرد غطاء قانوني لعملية نقل الثروات من جيوب الفقراء إلى خزائن أمراء الحرب والتجار المتواطئين معهم. هذا التحول جعل المواطن العادي يشعر بأنه غريب في وطنه، وأن القانون لم يُصنع لحمايته، بل لحماية مصالح النافذين. وبهذا المعنى، لم يكن انهيار الثقة بين الشعب والدولة حدثاً مفاجئاً، بل هو نتيجة حتمية لعقود من الاختطاف المنهجي للدولة.
ثانياً: الحرب كمحفز وتحويل النهب إلى سياسة
عندما اندلعت شرارة الحرب في أبريل 2023، لم تخلق الفساد، بل حرّرته من أي قيود أخلاقية أو قانونية متبقية. تحوّل النهب من جريمة يعاقب عليها القانون إلى سياسة عسكرية رسمية. فالدعم السريع نهبت البنوك، والمصانع، والمنازل، والسيارات، بل وحتى أثاث المستشفيات، ليس بهدف التموين فحسب، بل كاستراتيجية لإفقار الخصم وإشعار المواطن أنه لا آمن له على ماله أو عرضه. بالمقابل، لم تكن مؤسسات الدولة بريئةً من هذه اللعبة؛ إذ سيطرت على المعابر الحدودية وشركات الصرافة، وفرضت رسوماً جمركية ابتزازية على السلع الأساسية، مما جعل المعاناة الاقتصادية سلاحاً مزدوجاً يضرب الطرفين. لقد أصبحت السرقة “هواية وطنية” كما وصفها البعض، ولكنها ليست هواية، بل هي الاقتصاد الجديد في غياب الدولة؛ فهي السبيل الوحيد للبقاء لأفراد المليشيات، وآخر ملاذ لليائسين من المدنيين الذين قطعت رواتبهم وأغلقت أعمالهم. عندما تغيب الدولة، يحكم قانون الغاب، وقانون الغاب معناه أن من يملك السلاح يملك الحق في نهب من لا يملك.
ثالثاً: متلازمة الجنجويد وإضفاء الشرعية على العنف
ربما يكون أخطر مكونات هذا المرض هو ما يمكن تسميته بـ”متلازمة الجنجويد”. هذه المتلازمة ليست مجرد تهمة عرقية، بل هي فلسفة اجتماعية قوامها أن الثروة تُكتسب بالسلاح والقوة العارية، وليس بالجهد أو الإنتاج. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شاهد السودانيون كيف تمت مكافأة الجنجويد على جرائمهم في دارفور بمناصب حكومية وامتيازات اقتصادية وتجارة الذهب. تلك الرسالة كانت مدمرة: لقد قيل للمجتمع بصوت عالٍ إن الإفلات من العقاب هو الطريق السريع للثراء. واليوم، يجني الجيل الحالي ثمار تلك الرسالة، حيث أصبح أي قائد ميليشيا يمتلك إمارة على منطقة بأكملها، يفرض الضرائب بالقوة، ويصادر الأراضي، ويبيع الذهب المهرب للخارج. هذه المتلازمة حوّلت المجتمع السوداني إلى مجتمع مستهلك لقيم العنف، حيث أصبح المواطن العادي الذي يلتزم بالقانون يشعر بالغباء لأنه الوحيد الذي لا يسرق. هذا التآكل في النسيج الأخلاقي هو أخطر من القنبلة؛ لأنه يستمر في قتل الروح الجماعية حتى بعد انتهاء إطلاق النار.
رابعاً: الشرطة بين الشلل والتواطؤ
كيف يمكن لمجتمع أن يحارب السرقة حين يكون حارس الأمن نفسه هو السارق أو العاجز عن الحراسة؟ لقد أصبحت قوات الشرطة في السودان تعاني من شلل تام؛ فإما أنها تخشى مواجهة المليشيات المسلحة التي تفوقها قوة وعتاداً، وإما أنها تواجه اتهامات بضلوعها في عمليات النهب المنظم. في كثير من الأحيان، هذه الحال ليست عجزاً فنياً، بل هي نتيجة حتمية لسياسة “إبقاء الناس مشغولين بالخوف”؛ فحين يقضي المواطن يومه في حراسة ممتلكاته من اللصوص، وتأمين لقمة عيشه من الجوع، لن يكون لديه وقت أو طاقة للمطالبة بالحقوق السياسية أو محاسبة القادة. السرقة إذن ليست فوضى عابرة، بل هي أداة هندسية لشل الحراك المجتمعي. إن غياب العدالة الجنائية يخلق فراغاً يملؤه الانتقام الشخصي والعنف الأهلي، ويدفع بالجميع إلى التسلح، مما يغذي دوامة العنف التي لا تنتهي.
خامساً: دور النخبة المتواطئة والخارجي
لا يمكن فهم الكليبتوقراطية السودانية بمعزل عن شبكاتها الإقليمية والدولية. هناك نخبة من رجال الأعمال والسماسرة الذين استفادوا من عقود من الفساد، وهم اليوم يلعبون دوراً مزدوجاً؛ فهم يمولون أطراف الصراع للحفاظ على مكاسبهم، وفي نفس الوقت ينقلون ثروات البلاد إلى حسابات مصرفية في الإمارات ومصر وتركيا. الذهب السوداني، الذي كان يفترض أن يكون عصب الاقتصاد، أصبح سلعة مهربة تمول الحرب وليس التنمية. كما أن التدخلات الخارجية، خاصة من بعض الدول الخليجية التي ترى في الفوضى السودانية فرصة للسيطرة على الموانئ والأراضي الزراعية، تؤجج هذه الكليبتوقراطية بدلاً من محاربتها. هؤلاء الفاعلون الخارجيون لا يريدون دولة قوية مستقلة؛ يريدون دولة ضعيفة يسهل ابتزازها ونهب خيراتها. وعليه، أصبح الفساد صناعة تصديرية، حيث تُنهب الثروة محلياً وتُودع في بنوك خارجية، بينما يتحمل المواطن العادي ويلات التضخم والانهيار.
سادساً: الأثر النفسي على الشباب.. الجيل الضائع
لكن أخطر تداعيات هذا الوباء هو تأثيره على العقول الشابة. الشباب السوداني، الذي قاد ثورة ديسمبر عام 2018 وهو يهتف “حرية، سلام، عدالة”، يجد نفسه اليوم يعيش في كابوس دائم. هذا الجيل هو أكثر الأجيال السودانية تعليماً ووعياً، لكنه يعيش أسوأ أوضاع نزوح وتشرد واغتصاب في تاريخ البلاد. إنهم يعيشون أجواء ديستوبية لا يستطيعون نسيانها؛ فكل يوم يسمعون عن جريمة سرقة جديدة، أو اختفاء قسري، أو قصف عشوائي. هذه التجارب تخلق حالة من الصدمة النفسية الجماعية، حيث يُفقد الأمل في إمكانية بناء دولة مختلفة. حين يشاهد الشاب أن اللص يحصل على منصب، والمهرب يصبح مليونيراً، والمخلص للوطن يُقتل أو يُشرد، فكيف يمكن أن يطلب منه أن يؤمن بالعدالة أو يلتزم بالقانون؟ إن الكليبتوقراطية لا تسرق المال فقط؛ بل تسرق أحلام الأجيال وتقتل روح المبادرة. الخطر الحقيقي هو أن هؤلاء الشباب، إذا لم يتم إنقاذهم نفسياً ومعنوياً، سيكبرون وهم يحملون في قلوبهم مرارة لا تزول، وربما يتحولون في المستقبل إلى نسخة أخرى ممن يمارسون العنف، لأنهم لم يروا في حياتهم نموذجاً آخر للنجاح سوى نموذج السارق المنتصر.
بين اليأس ومقاومة الضمير
إن تشخيص مرض الكليبتوقراطية في السودان ليس تشاؤماً، بل هو الخطوة الأولى نحو العلاج. الواقع اليوم يبدو قاتماً؛ فالدولة منهارة، والمؤسسات مشلولة، والفساد مستشري في كل مفاصل الحياة، والعالم يتفرج أو يتاجر بالدماء. لكن في خضم هذا الظلام، هناك ومضات من الأمل لا يمكن تجاهلها. هناك لجان مقاومة ما زالت تعمل في الظل، توزع الخبز وتدير العيادات وتوثق الانتهاكات، رغم غياب أي دعم حكومي. هناك صوت العقلاء من الدياسبورا الذين يدعمون أسرهم ويحلمون بوطن مختلف. إن مقاومة هذا الوباء تتطلب وعياً جماعياً بأن الفساد ليس قدراً محتوماً، بل هو اختيار سياسي مارسه الحكام على حساب الشعب. الحل ليس في تغيير الحكام فقط، بل في تغيير العقد الاجتماعي بأكمله، وإعادة بناء الدولة على أساس الشفافية، واللامركزية، ومحاكمة كل من نهب المال العام، مهما كانت رتبته أو انتماؤه.
السودان غني بترابه وبشره، لكن الكليبتوقراطية تحاول تحويل هذه الثروات إلى نقمة. إن استمرار هذا المرض يعني استمرار التهميش والحروب والأزمات. لكن السودانيين، الذين أدهشوا العالم بصمودهم في وجه المجاعة والقصف، قادرون على دهشة العالم مرة أخرى بإرادتهم في استعادة دولتهم من براثن اللصوص. المعركة الحقيقية ليست في جبهات القتال بين الجيش والدعم السريع، بل في قلوب وعقول السودانيين: هل سيختارون الاستسلام لثقافة النهب، أم سيقاتلون لاستعادة الضمير الأخلاقي للأمة؟ الجواب يتوقف علينا جميعاً، نحن الذين نكتب الآن، والشباب الذي يحلم رغم كل شيء، وأولئك الجنود المجهولين الذين يرفضون أن يكون السودان مجرد دولة منهارة في كتب التاريخ. الكليبتوقراطية قد تكون التهمت الجسد، لكن الروح السودانية الأبية ما زالت تقاوم، وهذه المقاومة هي الدواء الوحيد لهذا الداء العضال.

