يقظة أمة.. د. ميمونة سعيد تكتب: الجبهة الداخلية ودعم القوات المسلحة… قراءة في معادلة الصمود الوطني

عندما تُذكر الحروب، تتجه الأنظار عادة إلى ميادين القتال، وإلى الخطط العسكرية والأسلحة والعمليات الميدانية. غير أن التاريخ العسكري يؤكد أن الانتصارات لا تُبنى في ساحات المعارك وحدها، وإنما تبدأ من الجبهة الداخلية، حيث تتشكل الإرادة الوطنية، ويترسخ التماسك الاجتماعي، وتتكاتف مؤسسات الدولة والمجتمع في مواجهة التحديات. ولذلك، فإن العلاقة بين القوات المسلحة والجبهة الداخلية ليست علاقة مساندة عابرة، بل هي معادلة استراتيجية تمثل أحد أهم مرتكزات الصمود الوطني.
لقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن الجيوش مهما بلغت كفاءتها تحتاج إلى بيئة داخلية مستقرة تمكنها من أداء مهامها. فاستمرار الخدمات الأساسية، وانتظام مؤسسات الدولة، واستقرار الاقتصاد بالقدر الممكن، وارتفاع الروح المعنوية للمجتمع، كلها عوامل تسهم في تعزيز قدرة الدولة على إدارة الأزمات. وعندما تتعرض الجبهة الداخلية للانقسام أو الفوضى، ينعكس ذلك على مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية.
هنا، كشفت الظروف التي صاحبت معركة الكرامة عن أهمية التماسك المجتمعي في مواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب. فقد أظهرت قطاعات واسعة من المجتمع روحًا عالية من التكافل والتعاون، من خلال إيواء النازحين، وتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم المبادرات التطوعية، والمحافظة على استمرار بعض الخدمات في المناطق المتأثرة. وأسهمت هذه الجهود في التخفيف من آثار الحرب على المواطنين، ودعمت قدرة مؤسسات الدولة على مواصلة أداء مهامها في ظروف استثنائية.
وفي الفكر العسكري، لا تُقاس قوة الدولة فقط بحجم قواتها المسلحة، وإنما بما تمتلكه من قوة وطنية شاملة تشمل الاقتصاد، والمؤسسات، والإدارة، والإعلام، والقدرة على تعبئة المجتمع عند الأزمات. ولذلك، فإن الجبهة الداخلية المستقرة تعد أحد عناصر هذه القوة، لأنها توفر البيئة التي تساعد مؤسسات الدولة، بما فيها القوات المسلحة، على العمل بكفاءة واستمرارية.
كما أن الدعم الشعبي لا يقتصر على المساندة المعنوية، بل يمتد إلى الالتزام بالقانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، ومقاومة الشائعات، وتعزيز ثقافة المسؤولية الوطنية. فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي والمعلوماتي، بقصد التأثير في الرأي العام. ومن هنا، يصبح الوعي المجتمعي، والاعتماد على المعلومات الموثوقة، والابتعاد عن خطاب الكراهية، جزءًا من منظومة الصمود الوطني.
وفي المقابل، فإن التماسك الاجتماعي لا يعني غياب الاختلاف في الآراء أو المواقف، بل يعني إدارة هذه الاختلافات في إطار القانون والاحترام المتبادل، بما يحافظ على وحدة المجتمع واستقرار الدولة. فالمجتمعات التي تنجح في تجاوز الأزمات هي تلك التي تجعل المصلحة الوطنية إطارًا جامعًا، وتعمل على معالجة الخلافات بوسائل سلمية ومؤسسية.
وتؤكد الخبرات الدولية أن الدول التي استطاعت تجاوز الحروب بنجاح هي الدول التي حافظت على قوة جبهتها الداخلية، وربطت بين متطلبات الأمن واحتياجات المجتمع، وأولت اهتمامًا بإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. فمرحلة ما بعد الحرب لا تقل أهمية عن مرحلة إدارة الصراع، لأنها تؤسس للاستقرار والتنمية وتمنع تجدد الأزمات.
لذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل روح التضامن التي ظهرت خلال الأزمة إلى مشروع وطني دائم، يقوم على سيادة القانون، وتعزيز المواطنة، وإعادة الإعمار، ودعم التنمية في جميع أنحاء البلاد. فالجبهة الداخلية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعدالة، والخدمات، والفرص المتكافئة، والمؤسسات القادرة على كسب ثقة المواطنين.
إن القوات المسلحة تضطلع بدور أساسي في حماية سيادة الدولة والدفاع عن أراضيها وفق المهام التي يحددها الدستور والقانون، غير أن نجاح الدولة في مواجهة التحديات يرتبط أيضًا بوجود مجتمع متماسك، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تؤدي وظائفها بكفاءة. فهذه العناصر مجتمعة تشكل القوة الوطنية الشاملة التي تمنح الدولة القدرة على تجاوز الأزمات.
وفي الختام، تبقى الجبهة الداخلية هي العمق الحقيقي لأي دولة تواجه ظروفًا استثنائية. فكل مبادرة تعزز الوحدة الوطنية، وكل جهد يحافظ على الاستقرار، وكل عمل يدعم مؤسسات الدولة في أداء واجباتها، يسهم في بناء معادلة الصمود الوطني.
* باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

